التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف/ ولماذا نجح الاسلامويين في السيطرة علي الجيش بسهولة؟ و فشلوا في السيطرة علي جنجويدهم؟

هذا النزاع المسلح يثير معضلتين هما:

- اول حرب نظامية.

- اول حرب مدن.


* الدولة السودانية اختبرت قتال مليشيات سياسية "حركات" لها اجندة سياسية ايدولوجية او جهوية او اثنية و لم يختبر قتال قوة نظامية او شبه نظامية ..

الدعم السريع صحيح انه ليس قوة عسكرية رسمية بالمعني المتعارف عليه (رغم التشريع البرلماني و الغطاء السياسي الذي وفره نظام المؤتمر الوطني و نظام اللجنة الأمنية) .. لكنه قوة شبه نظامية (افرادها صرفوا راتب شهر ابريل من الخزينة العامة.. و تشوينها حتي اندلاع الحرب كان يتم من موارد الدولة)

الدعم السريع هو نتاج العقل الذي استسهل خرق ضوابط الحكم و ادارة شأن الدولة!

حالياً تصر الدولة علي وصمة (التمرد) لتضعها في الخانة التي اعتادت التعامل فيها مع خصومها .. 

لكن مجرد اطلاق الصفة علي الخصم هل يسهل هذا العمل الشاق غير المسبوق؟

قائد الجيش و قائد الدعم السريع انقلبا معا علي الدستور (الوثيقة الدستورية)

و حاولا معا ادارة الدولة في ظل وضع ملتبس قانوناً و النزاع و الاختلاف الذي نشب بينهما مؤخراً يدخل في باب تنازع السلطات و الاختصاصات و هو أمر تفصل فيه المحاكم .. 

اما الخلاف في التوجهات السياسية بينهما فهو أمر خلقته حالة تسيس القوة (و تلك حالة علاجها الجذري التخلص من ظاهرة تسيس العسكر) او يتطلب مرونة سياسية و ليس الاحتكام للقوة العسكرية (و الحرب) ولا للقانون العسكري! 

ليس من المنطقي ان تقدم شخص علي انه قائد من الصف الأول و تقدم جهاز علي انه رسمي و قومي ثم بين يوم و ليلة تصفها بأقزع الاوصاف (مليشيا قبلية/اجنبية/ متمردة)!!

لم يجابه جيش السودان في السابق حالة كهذه (حرب داخلية بين مؤسسات الدولة الرسمية و المساندة و داخل العاصمة و المدن الكبيرة).. أقرب نموذج كان احداث الجبهة الوطنية المرتزقة و التي دعمتها قوي سياسية لها ثقل (الانصار و الختمية و الاسلاميين) و قادها ضابط محترف مشهود له بالبراعة (محمد نور سعد) و برغم ذلك لم يستغرق حسمها بواسطة الجيش أكثر من ساعات.. 

هذه حالة فريدة لأن الجيش يواجه قوة شبه نظامية و غير سياسية و مولتها و جهزتها الدولة نفسها بجيشها و أمنها و حكومتها ...

لذا طالت هذه الازمة و ستطول اكثر.

* كذلك اعتاد الجيش و تدرب علي حرب العصابات في الغابات و المناطق المفتوحة اما حرب العصابات داخل المدن و القتال من شارع لشارع فليس للجيش سابق عهد به..

حتي حرب العصابات في الغابات فشلت الدولة في التعامل معها في مستهلها و فشل الجيش في حسمها عسكرياً و اضطرت الدولة لتسويتها باتفاقات محاصصة سلطة و ثروة بعد ان استفحلت !!

ثم أمر محير هو:

- لماذا تمكن الاسلامويين من السيطرة علي الجيش و فشلوا في السيطرة علي الدعم السريع؟

الإسلاميون نجحوا لحد كبير في السيطرة علي الجيش (المؤسسة الدستورية التي نشأت قبل مئة عام وفق أسس و تقاليد معتبرة) بينما فشلوا في السيطرة علي المؤسسة التي انشأوها قبل عشرين عام و أسسوها بأبديهم؟!!

الجيش نشأ وفق نظم يمكن اذا عرفتها ان تخربها و تتحايل عليها لتهيمن علي المؤسسة.. اما الدعم السريع فانه قوة مليشية اقرب الي كونه عصابة لا ضابط و لا رابط لها 

  فقد منحت موارد و اموال طائلة حولتها من قوة مساندة الي قوة منفصلة و جيش جرار لها سلاسل امداد خاصة !!

من الواضح اننا بإزاء نزاع طويل.. قد يستمر لسنوات.

الشعبوية:

- الحرب ابتداءاً هي قمة تجليات الخطاب الشعبوي؛ في كل حرب ثمة اساس شعبوي لها، لدي طرف علي الاقل ان لم يكن لدي طرفيها الاثنان ..

و الذين اشعلوا هذه الحرب استغلوا حالة رفض شعبية لظاهرة مليشيا الدولة، ذلك الرفض الشعبي تمت قيادته باحتراف الي حدود الشعبوية بشعارات و هتافات مثلت اساس لقواعد عمومية (مافي مليشيا بتحكم دولة) و (الجنجويد ينحل) .. الخ

هذا الزخم الشعبوي تحول لمخزون وقود داعم للحرب و شعاراتها و للحلول العنيف و رافض للتسوية السلمية و  حتي الهدن (بل_بس) !!

لكن الشعارات الشعبوية تقود غالباً للجحيم! و حتي اذا قرر صانع القرار ان يحتكم للحلول العقلانية فانه سيواجه برفض (شعبوي) فيضطر الي التوغل في اوحال العنف حتي يصطدم الجميع بالجدار !!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شرح قانون الوجوه الغريبة !!

  المقصود بقانون الوجوه الغريبة هو اوامر الطوارئ التي صدرت في بعض الولايات بعد اندلاع حرب ١٥ ابريل/الكرامة و خصوصاً بولايتي الجزيرة و نهر النيل.. و هي اما اوامر صدرت من الوالي شفاهة و علي رؤوس الاشهاد او مكتوبة و مفادها ملاحقة ما يعرف ب "المندسين" و الطابور الخامس و من يشتبه في انتماءهم او تخابرهم مع مليشيا الدعم السريع، حيث راج ان المليشيا تدفع بعناصر من استخباراتها و قناصيها الي المناطق التي تنوي احتلالها لتقوم تلك العناصر بالعمل من الداخل بما يسهل مهمة الاحتلال .. و تستهدف الملاحقات الباعة الجائلين و اصحاب المهن الهامشية، و أي شخص تشك فيه السلطات او المواطنين؛ و في اجواء من الارتياب بالغرباء غذتها دعاية الحرب تم الطلب من المواطنين التعاون بالتبليغ و حتي بالقبض و المطاردة علي من يرتابون فيه. قانون او تعاليمات (الوجوه الغريبة) اسفرت عن ممارسات متحيزة "ضد غرباء" تحديداً ينحدرون من اقاليم كردفان و دارفور في ولايات عدة (الجزيرة، و نهر النيل، و كسلا، و الشمالية)؛ فالوجوه الغريبة هي اوامر تأخذ الناس بالسحنة و الملامح؛ و هي ممارسات بالتالي اسوأ مما كانت تمارسه "مح...

تفكيك خطاب الحرب و (فلسفة البلابسة)

   الخطاب و الموقف السياسي المساند للحرب و الحسم العسكري و رفض التفاوض و رفض أي حديث عن تسوية سياسية سلمية يعتمد علي استقطاب و تحشيد العوام ممن لا خبرة و لا معرفة لهم بطبيعة الحرب ولا السياسة!    تحشيد العوام هذا خلق تيار جارف اخذ في طريقه حتي بعض "الانتلجنسيا" ممن لا قدرة لهم علي مواجهة العوام او ممن يظنون ان كل هذا الحشد لا يمكن الا ان يكون علي حق، فيحتفظ برأيه لنفسه او حتي يتخلي عنه و ينخرط مع التيار ..!!   في المقام الاول ان لخطاب العنف و التحريض و "الانتقام" جاذبيته؛ و ان للقوة و استعراضها سطوة، مثلما ان لصورة الضحية فعلها؛ اما اذا دمج خطاب الضحايا مع خطاب القدرة علي الانتقام فاننا نحصل علي سيناريو تقليدي للافلام "البوليودية" و كثيرون هنا تفتق وعيهم و انفتح ادراكهم علي افلام الهند! فما يحدث و ما يدعو اليه خطاب الحرب بالنسبة لهؤلاء مفهوم و مستوعب و في مدي تصورهم لذا يرونه ليس واقعياً فحسب بل و بطولي و مغري يستحق ان ينخرطوا فيه بكلياتهم. سؤال الطلقة الأولي: قبل ان يعرف الناس الحقيقة بشأن ما قاد الي هذه الحرب التي انتشرت في مدن السودان و ولاياته ان...

صراع الاجندة الاجنبية في الساحة السودانية

  صحيح ان بعض اصحاب الاجندة المحلية يميلون للاستقواء بقوة اجنبية و اجندة سياسية خارجية، لكن بديهي كذلك ان الاجندة الاجنبية لا تجد لها موطئ قدم في اي بلد ما لم يكن هناك اصحاب اجندة محلية قابلين للتعاون مع محاور الاجندة الخارجية (عملاء).. و السودان منذ وقت طويل اضحي ملعب للأجندة الاجنبية يتساوي في ذلك النخب المعارضة او الحاكمة ! حتي في مرحلة حكم الانقاذ التي كانت تعد بهوية وطنية و "عالمية" متميزة و بناء "دولة عظمي" مهيمنة علي الاقليم القريب و البعيد مركزها "ارض النيلين" الا انها سرعان ما تخلت عن هذا التوجه بعد انهيار التنظيم الحاكم بعد مفاصلة ١٩٩٩م! هذا التاريخ يبقي مهماً جداً لأنه يؤشر لمرحلة تنافس بين اصحاب المشروع "الرسالي" علي الفوز و الاستئثار برعاية التنظيم العالمي و كفالته! و عندما وصل ذلك التنافس الي مرحلة الانهاك انتقلت النخبة المتنفذة من اصحاب المشروع السياسي الرسالي لاحضان راعي اخر و قد مثل تحالف "الحزم" سانحة للانتقال! من ذلك التاريخ ايضاً اضحت الأجندة الاجنبية أعلي كعباً من كل الأجندة، و برغم اتهامات السلطة لمعارضيها بالعمالة...