التخطي إلى المحتوى الرئيسي

السودان واثيوبيا: تاريخ الصراع والتعاون

   بالنسبة للسودانيين (نخب و عوام) تمثل اثيوبيا التاريخية و السياسية واثيوبيا الجغرافيا والسكان منطقة مجهولة؛ حتي القلة التي تتاح لها فرص زيارة اثيوبيا فانها تصورتها وصورتها للبقية علي انها منطقة للترفيه و قضاء الاجازات خصوصا منذ ان تبني السودان قوانين الحدود الدينية التي حرمت المشروبات الكحولية و تبنت قوانين اخلاقية صارمة للعلاقات بين الجنسين! بالمقابل فان السودان لدي كثير من الاثيوبيين هو محطة علي طريق الخروج من القارة الموبوءة بالحروب والجفاف والمجاعات وسائر الكوارث التي من صنع الطبيعة او البشر!
  بينما في الواقع فان العلاقة التاريخية بين البلدين و الشعبين هي اكبر واعمق واعقد من ذلك بكثير..
   تاريخيا؛ فان اثيوبيا ( وتعني اثيوبيا القديمة التي تشمل اريتريا ايضا ) والسودان ( وتعني ايضا السودان القديم الذي يشمل جنوب السودان ) هما اقليم واحد و شعب و أمة واحدة.. فاليونانيين اطلقوا التسمية اثيوبيا والتي تعني الشعوب السمراء ( او السودان ) علي المنطقة من حدود السودان الشمالية مع مصر و حتي الهضبة الافريقية، مثلما اطلق العرب لفظة الحبشة علي مجمل الاقليم والتي تعني الاعراق المتخالطة ثم اطلقوا لاحقا لفظة السودان والتي تعطي ذات مدلول لفظة اثيوبيا اللاتينية علي ذات الاقليم الذي الذي عناه اليونانيين القدماء.. فيما اطلق قدماء السكان من اهل المنطقة علي انفسهم لفظة ( تانهسو/تهانسو/تاسيتي ) والتي تفيد ذات المعني.
  و تاريخيا ايضا؛ كان الاقليم متحد سياسيا فممالك كوش وحضارات ماقبل كوش شملت اراضي السودان و اثيوبيا مثلما اشتملت حضارة اكسوم علي اجزاء واسعة من شرق السودان الي النيل و اجزاء من اثيوبيا.. ومعروف ان الصراع بين المملكتين اكسوم الصاعدة و كوش الآفلة هو ما تسبب في سقوط الاخيرة واندثارها بشكل مفاجئ.
وفي عصور ما بعد الممالك القديمة علي النيل وما بعد ممالك السودان المسيحية( النوبة ) علوة، والمقرة، وسوبا؛ اي عهد سلطنة سنار و الدولة المهدية، حيث ارسل الملك الاثيوبي ثيودور حملة لاحتلال سنار الا انها واجهت ظروف طبيعية صعبة منها الامراض ورفض ان يتراجع حتي هزمت حملته علي تخوم سنار، كما حدثت مصادمات مع جيش الدولة المهدية في عهد الخليفة عبد الله الذي دخلت جيوشه حتي غندر اعقبتها معركة القلابات الحدودية وقتل في تلك المعركة الملك يوحنا الرابع، واستمرت معارك المهدية مع ملوك اثيوبيا ( الحبشة ) في عهد الامبراطور منليك الثاني.
  ويأخذ عدد من المؤرخين علي الخليفة عبدالله رفضه التعاون مع ملوك اثيوبيا للتصدي للمهددات الخارجية الايطالية والبريطانية.
  هذا هو ميراث الحروب والصراع اما التعاون فقد تمثل في ان كل قطر كان يمثل عمق وامتداد للاخر خصوصا في حالات التعرض لمهددات خارجية فقد لجاء ملك شندي ( شمال الخرطوم ) المك نمر بعائلته و جنوده الي اثيوبيا هربا من ملاحقة الجيش الغازي المصري-التركي سنة 1821م بعد ان قتل ابن خديوي مصر اسماعيل باشا، كما لجاء العديد من السودانيين الي اثيوبيا هربا من بطش الاستعمار وظلم الحكومات الوطنية؛ والعكس ايضا صحيا، حيث لجا الامبراطور هيلاسلاسي الي الخرطوم بعد هجوم القوات الايطالية علي مملكته في ثلاثينيات القرن الماضي، كما لجاء اليها الاف الاثيوبيين هربا من بطش نظام منغستو ..
  وعبر العصور كانت الحدود الطويلة بين البلدين الممتدة من سواحل البحر الاحمر الي الدغل الافريقي عبارة عن سوق للتبادل التجاري والنشاط الزراعي والرعوي المشترك والمتداخل، واليوم تمثل اثيوبيا المستقرة ملاذا لرؤوس الاموال والاستثمارات لرجال الاعمال السودانيين، كما يمثل سد النهضة الاثيوبي علي الحدود تتويجا جديدا لارث التعاون بين الجهتين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شرح قانون الوجوه الغريبة !!

  المقصود بقانون الوجوه الغريبة هو اوامر الطوارئ التي صدرت في بعض الولايات بعد اندلاع حرب ١٥ ابريل/الكرامة و خصوصاً بولايتي الجزيرة و نهر النيل.. و هي اما اوامر صدرت من الوالي شفاهة و علي رؤوس الاشهاد او مكتوبة و مفادها ملاحقة ما يعرف ب "المندسين" و الطابور الخامس و من يشتبه في انتماءهم او تخابرهم مع مليشيا الدعم السريع، حيث راج ان المليشيا تدفع بعناصر من استخباراتها و قناصيها الي المناطق التي تنوي احتلالها لتقوم تلك العناصر بالعمل من الداخل بما يسهل مهمة الاحتلال .. و تستهدف الملاحقات الباعة الجائلين و اصحاب المهن الهامشية، و أي شخص تشك فيه السلطات او المواطنين؛ و في اجواء من الارتياب بالغرباء غذتها دعاية الحرب تم الطلب من المواطنين التعاون بالتبليغ و حتي بالقبض و المطاردة علي من يرتابون فيه. قانون او تعاليمات (الوجوه الغريبة) اسفرت عن ممارسات متحيزة "ضد غرباء" تحديداً ينحدرون من اقاليم كردفان و دارفور في ولايات عدة (الجزيرة، و نهر النيل، و كسلا، و الشمالية)؛ فالوجوه الغريبة هي اوامر تأخذ الناس بالسحنة و الملامح؛ و هي ممارسات بالتالي اسوأ مما كانت تمارسه "مح...

تفكيك خطاب الحرب و (فلسفة البلابسة)

   الخطاب و الموقف السياسي المساند للحرب و الحسم العسكري و رفض التفاوض و رفض أي حديث عن تسوية سياسية سلمية يعتمد علي استقطاب و تحشيد العوام ممن لا خبرة و لا معرفة لهم بطبيعة الحرب ولا السياسة!    تحشيد العوام هذا خلق تيار جارف اخذ في طريقه حتي بعض "الانتلجنسيا" ممن لا قدرة لهم علي مواجهة العوام او ممن يظنون ان كل هذا الحشد لا يمكن الا ان يكون علي حق، فيحتفظ برأيه لنفسه او حتي يتخلي عنه و ينخرط مع التيار ..!!   في المقام الاول ان لخطاب العنف و التحريض و "الانتقام" جاذبيته؛ و ان للقوة و استعراضها سطوة، مثلما ان لصورة الضحية فعلها؛ اما اذا دمج خطاب الضحايا مع خطاب القدرة علي الانتقام فاننا نحصل علي سيناريو تقليدي للافلام "البوليودية" و كثيرون هنا تفتق وعيهم و انفتح ادراكهم علي افلام الهند! فما يحدث و ما يدعو اليه خطاب الحرب بالنسبة لهؤلاء مفهوم و مستوعب و في مدي تصورهم لذا يرونه ليس واقعياً فحسب بل و بطولي و مغري يستحق ان ينخرطوا فيه بكلياتهم. سؤال الطلقة الأولي: قبل ان يعرف الناس الحقيقة بشأن ما قاد الي هذه الحرب التي انتشرت في مدن السودان و ولاياته ان...

صراع الاجندة الاجنبية في الساحة السودانية

  صحيح ان بعض اصحاب الاجندة المحلية يميلون للاستقواء بقوة اجنبية و اجندة سياسية خارجية، لكن بديهي كذلك ان الاجندة الاجنبية لا تجد لها موطئ قدم في اي بلد ما لم يكن هناك اصحاب اجندة محلية قابلين للتعاون مع محاور الاجندة الخارجية (عملاء).. و السودان منذ وقت طويل اضحي ملعب للأجندة الاجنبية يتساوي في ذلك النخب المعارضة او الحاكمة ! حتي في مرحلة حكم الانقاذ التي كانت تعد بهوية وطنية و "عالمية" متميزة و بناء "دولة عظمي" مهيمنة علي الاقليم القريب و البعيد مركزها "ارض النيلين" الا انها سرعان ما تخلت عن هذا التوجه بعد انهيار التنظيم الحاكم بعد مفاصلة ١٩٩٩م! هذا التاريخ يبقي مهماً جداً لأنه يؤشر لمرحلة تنافس بين اصحاب المشروع "الرسالي" علي الفوز و الاستئثار برعاية التنظيم العالمي و كفالته! و عندما وصل ذلك التنافس الي مرحلة الانهاك انتقلت النخبة المتنفذة من اصحاب المشروع السياسي الرسالي لاحضان راعي اخر و قد مثل تحالف "الحزم" سانحة للانتقال! من ذلك التاريخ ايضاً اضحت الأجندة الاجنبية أعلي كعباً من كل الأجندة، و برغم اتهامات السلطة لمعارضيها بالعمالة...