التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ علم وليس مجرد سرد قصصي وتفاخر بامجاد الاجداد

البرنامج الوطني لاستكشاف الآثار السودانية
    ثار لغط كثيف في الايام الماضية تجاوز الحدود السودانية علي اثر زيارة الاميرة الام القطرية 'موزة ال مسند' الي منطقة البجراوية 'مقر ملوك كوش'، ولم يتوقف عند هذا الحد بل تعداه الي ملاسنات بين اعلاميين وناشطين هنا و نظراءهم المصريين.
لست في وارد التحكيم او التوفيق في هذا النزاع والتلاسن .. انما استرعي انتباهي ان تاريخ السودان و تراثه الحضاري لم يكن حتي وقت قريب 'زيارة الاميرة' في قائمة اهتمامات اؤلئك الناشطين السياسيين والاعلاميين ثم بين يوم وليلة اضحت علي رأس القائمة..
    ان احدي اعظم مشاكل هذا البلد هي جهل الفاعلين السياسيين بتاريخ المعلوم وبالتالي عدم اهتمامهم باستكشاف المجهول منه، وجهلهم لقيمة التاريخ نفسه، فانا علي ثقة تامة بانه لو سوئل احدهم بضعة اسئلة من مادة التاريخ المعاصر فان الرسوب فيها والفشل في الاجابة سيكون مصيره.
    فمن خلال المجادلات التي تدور بينهم بصفة يومية يقول بعضهم مثلا ان الجنرال شارلس غردون كان يحكم السودان من سراياه 'مقر الحكمدار' باسم انجلترا مع العلم بأنه كان يبيع خدماته كمحترف لخديوي مصر 'اسماعيل باشا' ويزعمون ان دارفور اضحت جزء من السودان بعد الحرب العالمية الثانية فقط مع ان دارفور استقلت عن السودان بعد سقوط دولة المهدية وانها طيلة المهدية وقبل ذلك في نهايات عقود الحكم التركي كانت تتبع للسودان وتحديدا منذ 1874م وتم ضمها علي يد الزبير باشا رحمه التاجر السوداني الذي كان له فضل كبير في رسم خارطة السودان اذ انه من قام ايضا بضم اقليم بحر الغزال ذي الاراضي الشاسعة لسلطة الحكمدار في الخرطوم،
ومن المسلم به لدينا ان الزبير باشا ليس سوي تاجر رقيق 'اكبر تاجر رقيق في افريقيا' حسب تعبير الصحافة البريطانية في ذلك العهد، مع ان بريطانيا وبقية الاوربيين 'الاسبان والبرتغاليين والهولنديين والبلجيك..الخ' هم من اسس بورصة الرق في العالم ومن انشأ مواني تصدير الرقيق في غرب افريقيا. فكيف يكون الزبير باشا اكبر تاجر رقيق؟ ناهيك عن ان نؤسس روايتنا الوطنية للتاريخ فنبحث في قصة الرجل و خلافه مع رجالات الادارة التركية المصرية ودسائسهم ضده والتي انتهت به منفيا في جبل طارق و محبوسا في قصور مصر و مساهما في حروب السلطان العثماني في القرم، و دور جنوده في تحالفات السلطان والتي قادتهم للمشاركة في حروب ملك اسبانيا في المكسيك!!
    انتهي الحال بنا الي ما نحن فيه لأننا نجهل فائدة التاريخ فمعظم السياسيين بل وحتي رجال الادارة 'البيروقراطيين' يعتبرون التاريخ مجرد قصص للتفاخر والتسلية! واساطير يتم تلفيقها لإرضاء الانا الوطنية عند اللزوم، او مادة لمجادلة الخصوم السياسيين والحط من قدرهم و من قدر اطروحاتهم السياسية او الاجتماعية.
   نجهل تاريخنا الحديث فما بالك بالقديم منه! نجهل حتي الواضح منه والمثبت علميا فنخلط بين كوش ونبتة ومروي و الممالك النوبية المسيحية، معظمنا يذكر الحضارة النوبية معمما قوله علي كل الحضارة السودانية القديمة،
اما ممالك الفور والداجو و المساليت و تقلي والفونج فمعظمنا لا يعرف عنها الشئ الكثير.
    ان تاريخ السودان وحضارته التي اندثرت تستوجب منا اهتماما و يجب ان نعتبرها شأنا قوميا يعكف عليه خبراء التاريخ والاثار و خبراء الاستراتيجيات الوطنية لا ان يترك لاجتهادات البعثات العلمية وغير العلمية الاجنبية .. ولا يترك لما يسمي بالبرنامج أو المشروع القطري لإستكشاف اثار النوبة والذي تموله دولة قطر لسبب لا نعلمه اذ ليس معلوما عنها اهتمام بالتراث الانساني او التاريخ القديم، صحيح ان ادارة البرنامج/ المشروع سودانية لكن التمويل في مثل روفنا التي تسقط فيها الضوابط والمحددات يصبح امرا حاسما بصورة مخيفة، مثلما ان البلاد تفتقد لرؤية استراتيجية لدور واهمية الحضارة السودانية القديمة وتاريخ ممالكها، فمن يسيطرون علي مقاليد الامور يلتبس في رأسهم مفهوم التاريخ بقصص الانبياء والاسرائيليات "التاريخ الديني!".

  لذا من الضروري ان ننزه ماضينا من ان يصبح حقلا تعبث فيه الاطماع الاجنبية وتستغله لتصفية صراعاتها السياسية الآنية أو تصوراتها الايدولوجية.
ان التاريخ علم نظري لا يخضع الا للقواعد العلمية ويجب ان تترك فرضياته للمختصين ولا يترك للعامة ليصبح مادة للمهاترات.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شرح قانون الوجوه الغريبة !!

  المقصود بقانون الوجوه الغريبة هو اوامر الطوارئ التي صدرت في بعض الولايات بعد اندلاع حرب ١٥ ابريل/الكرامة و خصوصاً بولايتي الجزيرة و نهر النيل.. و هي اما اوامر صدرت من الوالي شفاهة و علي رؤوس الاشهاد او مكتوبة و مفادها ملاحقة ما يعرف ب "المندسين" و الطابور الخامس و من يشتبه في انتماءهم او تخابرهم مع مليشيا الدعم السريع، حيث راج ان المليشيا تدفع بعناصر من استخباراتها و قناصيها الي المناطق التي تنوي احتلالها لتقوم تلك العناصر بالعمل من الداخل بما يسهل مهمة الاحتلال .. و تستهدف الملاحقات الباعة الجائلين و اصحاب المهن الهامشية، و أي شخص تشك فيه السلطات او المواطنين؛ و في اجواء من الارتياب بالغرباء غذتها دعاية الحرب تم الطلب من المواطنين التعاون بالتبليغ و حتي بالقبض و المطاردة علي من يرتابون فيه. قانون او تعاليمات (الوجوه الغريبة) اسفرت عن ممارسات متحيزة "ضد غرباء" تحديداً ينحدرون من اقاليم كردفان و دارفور في ولايات عدة (الجزيرة، و نهر النيل، و كسلا، و الشمالية)؛ فالوجوه الغريبة هي اوامر تأخذ الناس بالسحنة و الملامح؛ و هي ممارسات بالتالي اسوأ مما كانت تمارسه "مح...

تفكيك خطاب الحرب و (فلسفة البلابسة)

   الخطاب و الموقف السياسي المساند للحرب و الحسم العسكري و رفض التفاوض و رفض أي حديث عن تسوية سياسية سلمية يعتمد علي استقطاب و تحشيد العوام ممن لا خبرة و لا معرفة لهم بطبيعة الحرب ولا السياسة!    تحشيد العوام هذا خلق تيار جارف اخذ في طريقه حتي بعض "الانتلجنسيا" ممن لا قدرة لهم علي مواجهة العوام او ممن يظنون ان كل هذا الحشد لا يمكن الا ان يكون علي حق، فيحتفظ برأيه لنفسه او حتي يتخلي عنه و ينخرط مع التيار ..!!   في المقام الاول ان لخطاب العنف و التحريض و "الانتقام" جاذبيته؛ و ان للقوة و استعراضها سطوة، مثلما ان لصورة الضحية فعلها؛ اما اذا دمج خطاب الضحايا مع خطاب القدرة علي الانتقام فاننا نحصل علي سيناريو تقليدي للافلام "البوليودية" و كثيرون هنا تفتق وعيهم و انفتح ادراكهم علي افلام الهند! فما يحدث و ما يدعو اليه خطاب الحرب بالنسبة لهؤلاء مفهوم و مستوعب و في مدي تصورهم لذا يرونه ليس واقعياً فحسب بل و بطولي و مغري يستحق ان ينخرطوا فيه بكلياتهم. سؤال الطلقة الأولي: قبل ان يعرف الناس الحقيقة بشأن ما قاد الي هذه الحرب التي انتشرت في مدن السودان و ولاياته ان...

صراع الاجندة الاجنبية في الساحة السودانية

  صحيح ان بعض اصحاب الاجندة المحلية يميلون للاستقواء بقوة اجنبية و اجندة سياسية خارجية، لكن بديهي كذلك ان الاجندة الاجنبية لا تجد لها موطئ قدم في اي بلد ما لم يكن هناك اصحاب اجندة محلية قابلين للتعاون مع محاور الاجندة الخارجية (عملاء).. و السودان منذ وقت طويل اضحي ملعب للأجندة الاجنبية يتساوي في ذلك النخب المعارضة او الحاكمة ! حتي في مرحلة حكم الانقاذ التي كانت تعد بهوية وطنية و "عالمية" متميزة و بناء "دولة عظمي" مهيمنة علي الاقليم القريب و البعيد مركزها "ارض النيلين" الا انها سرعان ما تخلت عن هذا التوجه بعد انهيار التنظيم الحاكم بعد مفاصلة ١٩٩٩م! هذا التاريخ يبقي مهماً جداً لأنه يؤشر لمرحلة تنافس بين اصحاب المشروع "الرسالي" علي الفوز و الاستئثار برعاية التنظيم العالمي و كفالته! و عندما وصل ذلك التنافس الي مرحلة الانهاك انتقلت النخبة المتنفذة من اصحاب المشروع السياسي الرسالي لاحضان راعي اخر و قد مثل تحالف "الحزم" سانحة للانتقال! من ذلك التاريخ ايضاً اضحت الأجندة الاجنبية أعلي كعباً من كل الأجندة، و برغم اتهامات السلطة لمعارضيها بالعمالة...