التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حـوار مـع النخـب الإسلامية (3)*



  يمثل التنظيم السياسي أحد أعقد المعضلات التي واجهت الاسلاميين وستواجههم في المستقبل إن هم استمروا في التعاطي معها علي ذات النحو، واذا كانت الحركة الاسلامية قد خلطت بين مهام الحزب و مهام أولويات غيره من من التكوينات والمنظمات المدنيةفان تصورها للحزب ولمفهوم التنظيم السياسي (الاسلامي) لم يكن بأحسن حالاً، فقد اختلط تصورها له والتبس عليها حتي اصبح مزيجا من عدة مفاهيم أبرزها مفهوم الحزب لدي انظمة الحزب الواحد (الشيوعية مثال)، ومفهوم الحزب في دول العالم الثالث الذي تمتزج فيه الولاءات العرقية والدينية بالسياسية كما ألقت عليه مفردة حزب الواردة في الدين والفقه الاسلامي بظلالها السالبة..
إن الحزب ( التنظيم السياسي ) وفقاً لعلم السياسة هو الآلية والأداة التى تعين على تحقيق الأهداف والغايات وهو الشكل الذي يحتوى المضمون والموضوع فيصونه ويحافظ عليه ، لذا فإن أهميته كأداة وشكل لا تنقص عن أهمية الهدف والغاية والمضمون أن لم تزد عليها ولا يجوز فيها التجاوز ، لكون ان عيوب او اخطاء في الشكل والوسيلة  ستنعكس لا محالة على المضمون والهدف أي القضية أو الرؤية السياسية والفكرية .
وهذا بالضبط ما لم ينتبه إليه الإسلاميون عند وضع أسس تنظيمهم السياسي فطفقوا يخطفون قواعده من كل المدارس والتيارات السياسية ولم يتوانوا عن الاستلاف كل ما يخدم مصالحهم ويقودهم إلى السلطة لدرجة أصبح معها تنظيمهم عبارة عن تجميع لكل مثالب وسوءات الاحزاب والقوى السياسية السودانية في تنظيم وحركة واحدة .
فمن ناحية التنظيم والضبط الداخلي للعضوية والاتصال التنظيمي بين الاجهزة المختلفة داخل الحزب اخذ الاسلاميون ضوابطها وأسسها من منظومات القابضة أي الانظمة الاممية والقومية . وهي انظمة تعتمد على الحزب الصمد الذي يحظر الممارسة السياسية على غيره ، وداخل ذلك الحزب تعتمد الممارسة السياسية علي  كاريزما الزعيم " السكرتير العام" أمين السر " بينما تنحصر مهام بقية الأجهزة في الحزب وبقية الاعضاء في لعب ادوار ادارية وليست سياسية ، بل وأمنية احياناً لدرجة يصبح معها الحزب جهاز جاسوسية ضخم يستخدم ضد الشعب وضد مصالح العضوية نفسها ولخدمة قوى داخل الحزب تنافس من اجل نيل رضا الزعيم . ولعل مرد ذلك هو ان هناك تقاطعات مهمة بين الإسلاميين من جهة والأممين والقوميين من جهة أخرى تتمثل أساساً في أن هناك موقف ايدولوجي يعيق عملية التجديد والابداع في عملية اتخاذ القرار السياسي وتبني الرؤية السياسية ومن ثم تكون الممارسة السياسية برمتها محفوفة بمخاوف الاتهام بالانحراف والرجعية والانتهازية او الارتداد والفكر والخيانة بحسب الحال .
ومن حيث التأسيس القاعدي والاستقطاب والعمل الدعائي الذي يتطلبه اعتمد الاسلاميون ذات الاسس التي اعتمدها الساسة الاوائل ، ( منسوبو نادي الخريجين ) أي ارتكبوا نفس الخطأ الذي وقع فيه المتعلمون عندما أسسوا احزابهم أول الأمر ( الاشقاء / الأمة) ثم ارتموا في احضان الطوائف والقبلية من اجل كسب المزيد من التأييد الشعبي واستعداداً لمعارك الاصوات الانتخابية وهو ما ادخل الممارسة الحزبية في نفق لا تزال تجاهد للخروج منه ، حيث اصبحت الديمقراطية والانتخابات وغيرها من المصطلحات لا تعني إلا الديماجوجية والفوضي والبعد عن البرامجية والمسؤولية والمساءلة .
لقد سعي الإسلاميون منذ حداثة تجربتهم إلى استمالة ابناء زعماء القبائل وابناء شيوخ الطرق الصوفية وذلك لضمان السند الجماهيري ، ومن ثم الاغلبية المكنيكية داخل  البرلمان ، ولاتخفي هنا الانتهازية السياسية والسعي للكسب السياسي الرخيص الذي لايخدم قضايا الشعب الحقيقة وعلى راسها نشر الوعي .
هذا مع الاخذ في الاعتبار ان التاريخ الإسلامي لم يعرف ولم يعيش تجربة الحزب السياسي أو على الاقل تجربة الجماعة السياسية المفتوحة من القمة حتى القاعدة والتي تهدف للتعاطي المستمر مع الواقع السياسي المتجدد ، إذ أن كل الجماعات السياسية في التاريخ الإسلامي نشأت نتيجة لحادثة أو موقف معين وانحلت الرابطة السياسية بنهاية الموقف ( الموقف من خلافه على كرم الله وجهة كمنوذج) .
اضف لذلك أن مفردة حزب نفسها ارتبطت في عقل المسلم بكل ما هو مزموم ( الاحزاب ) خصوصاً عنت كل ما يمت إلى التفرق والشتات والاختلاف ... الخ .
وفي الإرث الإسلامي ينقسم الناس إلى حزبين هما حزب الله وحزب الشيطان ولا مجال لاحزاب اخري في المخيلة الإسلامية ، وربما إلى ذلك يمكن فهم سر احجام الإسلاميين عن تسمية تنظيمهم بـ( حزب) واختيارهم لمفردات جبهة وحركة ومؤتمر ... الخ .
*الإسلاميون والتعددية الحزبية :
   التعددية الحزبية هي أحد أهم القضايا التي يجب تناولها من مختلف النواحي والتركيز على مواقف الحركة الإسلامية منها ، ومن الصعب الزعم بأن الحركة الإسلامية مؤيدة وداعمة للتعددية في المراحل السابقة من تاريخ السودان لكون التعددية سابقة لوجود الإسلاميين أنفسهم وكانت راسخة عندما شرع الإسلاميون في تأسيس أول تنظيم سياسي لهم ، ثم لكون أن تنظيماً كالحركة الاسلامية يعاني من خلل مفهومي من حيث الأسس الموضوعية والشكلية للتنظيم السياسي وتجربته التنظيمية بحاجة ماسة للمراجعة والتصحيح أي انه لم يصل بعد لأن يكون تنظيماً سياسياً ( حزب) بالمعني الدقيق للكلمة ولذا سيكون الحديث عن موقفه من التعددية الحزبية سابق لأوانه ومجاف للمنطق السليم .. اضف إلى ذلك أن مواقف الحركة الاسلامية الداعمة للدكتاتوريات ( مايو ما بعد المصالحة) تم انقلابها على التجربة الديمقراطية الثالثة وحلها للأحزاب وحظرها للتجمعات السياسية .. الخ كلها مؤشرات سالبة تؤكد حقيقة واحدة هي أن الإسلاميين ضد الممارسة السياسية السوية ( التعددية) .
إن الإسلاميين على اختلاف مسمياتهم ليسوا في حاجة إلى الجدل عن موقفهم من التعددية الحزبية ( تاريخياً) أو الدفاع عن ذلك الموقف بقدر ما هم بحاجة إلى تحديد موقف واضح لا رجعة فيه بين ما إذا كانوا مع التعددية السياسية التي تقوم على حق الآخرين في التفكير والاعتقاد والتعبير والتنظيم والاجتماع ... الخ وتحت كل الاحوال والظروف بحيث لا يحق لاي جهة أن تحظر نشاط منظمة سياسية أو حزبية أو تحلها وأنه لايجوز التمييز ضد أي شخص لمجرد أنه ينتمي لتنظيم سياسي معين أو مضياقة انصار رأي سياسي محدد وأن تكون للمحاكم العادية سلطة الفصل في الجرائم التي يرتكبها ( افراد) بناءاً على دوافع سياسية . أم أنهم ضد ذلك كله؟؟
*تجربة المؤتمر الوطني :
في الوقت الراهن يمثل المؤتمر الوطني ويعبر عن الحركة الإسلامية في احد تمظهراتها ، لقد اعد الاسلاميون هذا المؤتمر ليكون الحزب الواحد في السودان ابان ما كان يسمي بنظام المؤتمرات على أن يسيطروا عليه وحدهم ولم يكن ليعجزهم ذلك وقد سيطروا على السلطة من قبل .. هذا يتضح من شعار المؤتمر وهدفه في تلك المرحلة وهو أن يكون ( وعاء جامع لكل اهل السودان) ، لكن تبدلت الاحوال وتغيرت ولم تعد مسألة الوعاء الجامع هذه واردة في هذه المرحلة ، بينما نجح المؤتمر حتى الآن في الصمود ومسايرة التطورات الرهيبة التى حدثت من المأمول أن تفضي إلى تعددية جديدة .. فهل يستمر صمود المؤتمر الوطني في المرحلة المقبلة؟؟؟
   لاشك أن المؤتمر الوطني يمكن ان يواجهه عقبات واسئلة مصيرية لكونه الآن لا يمثل الإسلاميين فقط ( نظرياً على الاقل) فهو يضم مسلمين وغير مسلمين ، اسلاميين وغير اسلاميين .. الخ، صحيح أن سيطرة عناصر الحركة الإسلامية على المؤتمر لاتخطئها العين وذلك مفهوم لكونهم يسيطرون على السلطة ومفاصل الحكم كافة ، إلا أن ذلك لا يلغي وجود غيرهم .
ويمكن أن يستمر المؤتمر اذا نجح في الإجابة على تلك الاسئلة المصيرية وبالمقابل تفشل الاحزاب التقليدية ( الامة / الاتحادي) في استعادة قواعدهم التي استهدفها المؤتمر الوطني ..
   ابرز الاسئلة والتحديات هي أن المؤتمر وهو تنظيم يعتمد على ثلاثة عناصر هي السلطة والمال والقبضة التنظيمية ، وعبر الثانية والثالثة تمكن الاسلاميون من السيطرة على الاولي (السلطة) وهي بالتأكيد أهم عوامل تماسك المؤتمر طيلة المرحلة الماضية بالتأكيد ، فإذا تم تجريد الحركة الاسلامية من السلطة اليوم سيتفرق ( المؤتمرون) ايدي سبأ!! ، وما لم يتحول المؤتمر من تنظيم سلطة إلى تنظيم برنامج سياسي ورؤى سياسية وافكار ومواقف واضحة فإن احتمال تفككه يظل وارداً ، وما لم يتحول إلى تنظيم سياسي يعبر حقيقة عن الفسيفساء التى يحتوى عليها والتي تمثل واقع التنوع السوداني ويكف عن كونه واجهة تعبر عن الحركة الإسلامية (ئيسها فقط للدقة) أو كيانها الخاص .. فإنه لن يزيد عن كونه إعادة لتجربة الاتحاد الاشتراكي . 
 -------------------------------------
نشر هذا المقال بتاريخ 28 سبتمبر 2005م بصحيفة الخرطوم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شرح قانون الوجوه الغريبة !!

  المقصود بقانون الوجوه الغريبة هو اوامر الطوارئ التي صدرت في بعض الولايات بعد اندلاع حرب ١٥ ابريل/الكرامة و خصوصاً بولايتي الجزيرة و نهر النيل.. و هي اما اوامر صدرت من الوالي شفاهة و علي رؤوس الاشهاد او مكتوبة و مفادها ملاحقة ما يعرف ب "المندسين" و الطابور الخامس و من يشتبه في انتماءهم او تخابرهم مع مليشيا الدعم السريع، حيث راج ان المليشيا تدفع بعناصر من استخباراتها و قناصيها الي المناطق التي تنوي احتلالها لتقوم تلك العناصر بالعمل من الداخل بما يسهل مهمة الاحتلال .. و تستهدف الملاحقات الباعة الجائلين و اصحاب المهن الهامشية، و أي شخص تشك فيه السلطات او المواطنين؛ و في اجواء من الارتياب بالغرباء غذتها دعاية الحرب تم الطلب من المواطنين التعاون بالتبليغ و حتي بالقبض و المطاردة علي من يرتابون فيه. قانون او تعاليمات (الوجوه الغريبة) اسفرت عن ممارسات متحيزة "ضد غرباء" تحديداً ينحدرون من اقاليم كردفان و دارفور في ولايات عدة (الجزيرة، و نهر النيل، و كسلا، و الشمالية)؛ فالوجوه الغريبة هي اوامر تأخذ الناس بالسحنة و الملامح؛ و هي ممارسات بالتالي اسوأ مما كانت تمارسه "مح...

تفكيك خطاب الحرب و (فلسفة البلابسة)

   الخطاب و الموقف السياسي المساند للحرب و الحسم العسكري و رفض التفاوض و رفض أي حديث عن تسوية سياسية سلمية يعتمد علي استقطاب و تحشيد العوام ممن لا خبرة و لا معرفة لهم بطبيعة الحرب ولا السياسة!    تحشيد العوام هذا خلق تيار جارف اخذ في طريقه حتي بعض "الانتلجنسيا" ممن لا قدرة لهم علي مواجهة العوام او ممن يظنون ان كل هذا الحشد لا يمكن الا ان يكون علي حق، فيحتفظ برأيه لنفسه او حتي يتخلي عنه و ينخرط مع التيار ..!!   في المقام الاول ان لخطاب العنف و التحريض و "الانتقام" جاذبيته؛ و ان للقوة و استعراضها سطوة، مثلما ان لصورة الضحية فعلها؛ اما اذا دمج خطاب الضحايا مع خطاب القدرة علي الانتقام فاننا نحصل علي سيناريو تقليدي للافلام "البوليودية" و كثيرون هنا تفتق وعيهم و انفتح ادراكهم علي افلام الهند! فما يحدث و ما يدعو اليه خطاب الحرب بالنسبة لهؤلاء مفهوم و مستوعب و في مدي تصورهم لذا يرونه ليس واقعياً فحسب بل و بطولي و مغري يستحق ان ينخرطوا فيه بكلياتهم. سؤال الطلقة الأولي: قبل ان يعرف الناس الحقيقة بشأن ما قاد الي هذه الحرب التي انتشرت في مدن السودان و ولاياته ان...

لماذا يفضل الملكيون العرب التعامل مع جمهوريي اميركا؟؟

  لا يخفي الملوك و الامراء العرب "و اعوانهم" ميلهم و تفضيلهم التعامل مع ادارات جمهورية في اميركا و لا يخفون تبرمهم من تنصيب رئيس من الحزب الديمقراطي.. و يبررون ذلك الميل و التفضيل بمبررات مختلفة مثل تعامل الجمهوريين الحاسم مع ايران !! في الواقع فإن اكثر رؤساء اميركان الذين شكلوا اكبر تهديد للعرب و المسلمين هم من الجمهوريين (بوش الأب و الإبن و ترامب - غزو العراق و افغانستان و دعم اسرائيل)! لكن الجمهوريين كما عرب النفط يفهمون لغة المال جيداً و الادارة الجمهورية تضم علي الدوام اشخاص من قطاع الطاقة و النفط او صناعة السلاح او الادوية او حتي صناعة الترفيه "هوليود" يفضلون لغة النقود و المصالح. اذاً اكبر تهديد واجهه العرب و المسلمون من ادارات اميركية كان في فترات حكم جمهوري.. و بعد الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م اعلن بوش الابن سياسة صارمة في مواجهة انظمة اسلامية و عربية (افغانستان و العراق و السودان) كما مارس ضغوط غير مسبوقة علي السعودية اسفر عنها اجراءات حازمة ضد الجماعات المتشددة من الأخيرة، و تغيير في مناهج التعليم المدرسي و الجامعي فيها! الجمهوري ترامب اقدم علي خطوات غير مس...