التخطي إلى المحتوى الرئيسي

برلمانات الانقاذ .. برلمانات الدكتاتور

  البرلمان هو المؤسسة التي يجتمع فيها الاعضاء بالوكالة عن ناخبيهم 'المواطنين' لمناقشة ما يهم موكليهم من قضايا و اقرار القوانين باسمهم ومحاسبة الحكومة بجهازها السياسي 'مجلس الوزراء' والاشراف علي حسن اداء جهازها الفني المدني والعسكري 'الخدمة المدنية و الجيش والشرطة..الخ' و محاسبة الحكومة باسقاطها حال تسببها عمدا او اهمالا في اية اخطاء. هذا في حالة الحكومات الديمقراطية التي تخضع فعليا لارادة الشعب التي تحميها مؤسسات شعبية ورسمية عديدة.
  اما في حالة انظمة الاستبداد التي لا تخضع لارادة شعب وبالتالي لا تخضع لقانون فما هي وظيفة البرلمان فيها؟ بل و ما حاجتها لبرلمان اصلا؟!
  كل مستبد دكتاتور لا يقر اطلاقا بأنه مستبد بل يسعي لتصوير نفسه في عقول العوام في صورة المنقذ والعادل والرحيم.. لذا كل دكتاتور يحتاج لمظهر من مظاهر الحكومات العادلة والشرعية، فتجده ينشئ هيئة من المقربين لتلعب دور 'مجلس شعب، جمعية وطنية، مجلس شوري، مجلس شيوخ.. الخ' دون ان يكون لها اي من صلاحيات تلك المجالس و دون ان يكون لأي من اعضاءها واحدة من صفات اعضاء تلك المجالس 'المعرفة و النزاهة و الحنكة السياسية وقوة الشخصية..'
  لذا تكون برلمانات الدكتاتور اشبه بالاسواق تضم كل صاحب حاجة وغرض و كل سمسار وكل مخادع و كل ساذج.. وكل واحد منهم يبحث عن حاجته هو ومصلحته لا مصلحة الأمة التي يدعي زيفا النيابة عنها وتمثيلها! و تجد عضويتها كلهم علي استعداد لتلبية رغبات وشهوات المستبد الدكتاتور في لمح البصر لأنهم يعرفون جيدا انه هو من انعم عليهم بهذه الرتب و هذه الصفة الرفيعة وغير المستحقة وليس الشعب الذي يجلسون علي مقاعده و يلوون الاحاديث بلسانه ويمشون زور بذمته!
  وهذا بالضبط ما ينطبق بحذافيره علي نظام البشير 'الانقاذ' وعلي برلماناته 'المجلس الوطني الانتقالي ثم المجلس الوطني و مجلس الولايات و المجالس التشريعية لكل الولايات و كل اعضائها'.
  فالمجلس الوطني الانتقالي 'برلمان محمد الامين خليفة' كان مجرد ملتقي لداعمي حكم البشير و الاسلاموين الباحثين عن مصالحهم من وراء ذلك الدعم ثم 'برلمان الترابي' عراب الانقاذ كان مجلس لتأسيس سلطة العراب و نتج عنه نزاع المصالح بين لصوص السلطة! فاعاد برلمان احمد ابراهيم الطاهر و الفاتح عز الدين و ابراهيم احمد عمر برلمانات الدكتاتور الي سراطها الذي لا ينبغي ان تحيد عنه اي خدمة المستبد وتلبية رغباته حتي قبل ان تحدثه بها نفسه!!
  كلها برلمانات نواب مطعون في شرعية تمثيلهم للشعب وما بلغوا تلك 'المقاعد' بجهدهم ومسيرتهم في خدمة الشعب وباصواته انما هي نعمة اسبغها عليهم المستبد الأكبر مكافأة لهم علي سجلهم في خدمته وخدمة انفسهم و يتوقع ان يردوا له معروفه بموالاة خدمته والتفاني في تزييف حقائقه وتصوير حكمه علي انه حكم شرعي و عادل!
  برلمانات الانقاذ/ الدكتاتوريات أما معينة العضوية بقرار من الحاكم الفرد واما منتخبة انتخابا شكليا في انظمة الحزب الواحد واما منتخبة شكليا ايضا في انظمة تعددية صورية 'حزب حاكم واحزاب مكملة ومتحالفة مع الحزب الحاكم'!
  لذا هي انظمة تدور حول محور الحاكم الفرد و لا تقاطعات لها مع القواعد الشعبية الا لأغراض صورية و تكون معزولة عنها ولا تتعاطي القواعد الشعبية مع 'نواب' برلماناتها الا في فئات من الانتهازيين او فئات حيث ينعدم الوعي السياسي و تتنشر السذاجة السياسية!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شرح قانون الوجوه الغريبة !!

  المقصود بقانون الوجوه الغريبة هو اوامر الطوارئ التي صدرت في بعض الولايات بعد اندلاع حرب ١٥ ابريل/الكرامة و خصوصاً بولايتي الجزيرة و نهر النيل.. و هي اما اوامر صدرت من الوالي شفاهة و علي رؤوس الاشهاد او مكتوبة و مفادها ملاحقة ما يعرف ب "المندسين" و الطابور الخامس و من يشتبه في انتماءهم او تخابرهم مع مليشيا الدعم السريع، حيث راج ان المليشيا تدفع بعناصر من استخباراتها و قناصيها الي المناطق التي تنوي احتلالها لتقوم تلك العناصر بالعمل من الداخل بما يسهل مهمة الاحتلال .. و تستهدف الملاحقات الباعة الجائلين و اصحاب المهن الهامشية، و أي شخص تشك فيه السلطات او المواطنين؛ و في اجواء من الارتياب بالغرباء غذتها دعاية الحرب تم الطلب من المواطنين التعاون بالتبليغ و حتي بالقبض و المطاردة علي من يرتابون فيه. قانون او تعاليمات (الوجوه الغريبة) اسفرت عن ممارسات متحيزة "ضد غرباء" تحديداً ينحدرون من اقاليم كردفان و دارفور في ولايات عدة (الجزيرة، و نهر النيل، و كسلا، و الشمالية)؛ فالوجوه الغريبة هي اوامر تأخذ الناس بالسحنة و الملامح؛ و هي ممارسات بالتالي اسوأ مما كانت تمارسه "مح...

تفكيك خطاب الحرب و (فلسفة البلابسة)

   الخطاب و الموقف السياسي المساند للحرب و الحسم العسكري و رفض التفاوض و رفض أي حديث عن تسوية سياسية سلمية يعتمد علي استقطاب و تحشيد العوام ممن لا خبرة و لا معرفة لهم بطبيعة الحرب ولا السياسة!    تحشيد العوام هذا خلق تيار جارف اخذ في طريقه حتي بعض "الانتلجنسيا" ممن لا قدرة لهم علي مواجهة العوام او ممن يظنون ان كل هذا الحشد لا يمكن الا ان يكون علي حق، فيحتفظ برأيه لنفسه او حتي يتخلي عنه و ينخرط مع التيار ..!!   في المقام الاول ان لخطاب العنف و التحريض و "الانتقام" جاذبيته؛ و ان للقوة و استعراضها سطوة، مثلما ان لصورة الضحية فعلها؛ اما اذا دمج خطاب الضحايا مع خطاب القدرة علي الانتقام فاننا نحصل علي سيناريو تقليدي للافلام "البوليودية" و كثيرون هنا تفتق وعيهم و انفتح ادراكهم علي افلام الهند! فما يحدث و ما يدعو اليه خطاب الحرب بالنسبة لهؤلاء مفهوم و مستوعب و في مدي تصورهم لذا يرونه ليس واقعياً فحسب بل و بطولي و مغري يستحق ان ينخرطوا فيه بكلياتهم. سؤال الطلقة الأولي: قبل ان يعرف الناس الحقيقة بشأن ما قاد الي هذه الحرب التي انتشرت في مدن السودان و ولاياته ان...

صراع الاجندة الاجنبية في الساحة السودانية

  صحيح ان بعض اصحاب الاجندة المحلية يميلون للاستقواء بقوة اجنبية و اجندة سياسية خارجية، لكن بديهي كذلك ان الاجندة الاجنبية لا تجد لها موطئ قدم في اي بلد ما لم يكن هناك اصحاب اجندة محلية قابلين للتعاون مع محاور الاجندة الخارجية (عملاء).. و السودان منذ وقت طويل اضحي ملعب للأجندة الاجنبية يتساوي في ذلك النخب المعارضة او الحاكمة ! حتي في مرحلة حكم الانقاذ التي كانت تعد بهوية وطنية و "عالمية" متميزة و بناء "دولة عظمي" مهيمنة علي الاقليم القريب و البعيد مركزها "ارض النيلين" الا انها سرعان ما تخلت عن هذا التوجه بعد انهيار التنظيم الحاكم بعد مفاصلة ١٩٩٩م! هذا التاريخ يبقي مهماً جداً لأنه يؤشر لمرحلة تنافس بين اصحاب المشروع "الرسالي" علي الفوز و الاستئثار برعاية التنظيم العالمي و كفالته! و عندما وصل ذلك التنافس الي مرحلة الانهاك انتقلت النخبة المتنفذة من اصحاب المشروع السياسي الرسالي لاحضان راعي اخر و قد مثل تحالف "الحزم" سانحة للانتقال! من ذلك التاريخ ايضاً اضحت الأجندة الاجنبية أعلي كعباً من كل الأجندة، و برغم اتهامات السلطة لمعارضيها بالعمالة...