التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ورطة نبيل أديب

بلا شك ان عملية فض اعتصام القيادة يعد احد اكبر الخطايا في تاريخ السودان، ليس لبشاعته رغم فداحتها "فبشاعات الانقاذ و سابقاتها من الانظمة في الجنوب و الغرب و الشرق و الوسط و الشمال و الخرطوم لا تقل عنها فداحة بل تزيد" ، و ليس لانها وقعت في الخرطوم تحت عتبات مقر قيادة الجيش السوداني أو لأنها وقعت تحت انظار العالم الذي كان مشدوداً لأشهر لما يقوم به شعب السودان من ثورة ابهرته و اقتلعت نظام تطاير شره لما وراء الحدود، و تحت انظار كاميرات كبريات وكالات الانباء و القنوات و الصحف الدولية، انما فقط لأن اعتصام القيادة كان من انبل و اجل الفعاليات التي حدثت في تاريخ السودان الحديث، و كانت امال كبيرة منعقدة علي ان لا ينفض ذلك الجمع المبروك إلا بعد ان يتوصل المجتمعون لصيغة تخرج هذه البلاد من المتاهة التي ادخلتها فيها النخب السياسوية!

و لهذا السبب فان التحقيق لكشف ملابسات حوادث فض الاعتصام يمثل بدوره عمل جليل و معقد، و من يشارك في فريق التحقيق المعني يضع نفسه في وضع لا يحسد عليه، أما من يقود الفريق فانه يضع نفسه في فوهة المدفع بل في فوهة بركان..
فبسبب ما سبق ذكره و علاوةً علي ضعف ثقافة التحقيق و لجان التحقيق لدي عامة الناس و خاصتهم في بلادنا، فان الكثيرين يضعون في ظنهم و اعتقادهم ان ثمة نتيجة واحدة ينبغي ان يخلص اليها التحقيق، هي النتيجة التي يعتقدونها أو يتوقعونها، و أي خلاصة اخري ستكون بمثابة تنصل أو تنكر أو "خيانة" للشهداء و للثورة و للوطن.
هنا تكمن ورطة لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة التي يقودها المحامي نبيل اديب، و التي لا يبدو انها تعرف كيف تتعامل مع هذا الوضع المعقد الذي وجدت نفسها فيه!
في حين ان لجان التحقيق بطبيعتها لا تهدف الوصول الي نتائج معروفة سلفاً و محددة مسبقاً! فهي لجان تتشكل بالاساس للتعامل مع قضايا معقدة و حوادث غامضة و تهدف عبر الاستماع لمختلف الافادات و الروايات و تمحيص كل الادلة المادية "فيديوهات، تسجيلات، صور، اضافة لمختلف الادلة و الاثار كالاسلحة و الطلقات و مظاريف الطلقات الفارغة و البصمات ..الخ" لبناء أقرب الروايات للحقيقة و من ثم وهذا هو المهم التوصية لدي الجهات المختصة باتخاذ اجراءات قانونية محددة.
ان تقارير لجان التحقيق في الغالب لا يتم نشرها كلها للعامة انما يتم تسليمها للجهة المختصة و فقط يتم نشر ملخص عنها.
أما من جانب اللجنة و طبيعة عملها و تعاملها مع الرأي العام فانها يلزم ان تقوم بعملها بحرفية تامة بأن تستمع لكل الأطراف من اعلي قمة الهرم و حتي ادناه بما فيها شاغلي المناصب عالية الحساسية و الامنية، لذا و حتي يكون عمل لجنة فض الاعتصام مهنياً و احترافياً يلزم ان تستمع لكل اعضاء المجلس العسكري الانتقالي الذي كان حاكماً ليلة فض الاعتصام بما فيهم رئيس المجلس "القائد العام للقوات المسلحة" و قائد قوات الدعم السريع و مدير الشرطة و مدير الامن.
كما يلزم ان يتواصل بشكل منتظم مع الرأي العام عبر الاحاطات الصحفية و التنوير ليوضح الخطوات و الاجراءات التي اتخذت و في وقتها حتي تبني ثقة بين الرأي العام و اللجنة المعنية.
١٧ مارس ٢٠٢٠م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شرح قانون الوجوه الغريبة !!

  المقصود بقانون الوجوه الغريبة هو اوامر الطوارئ التي صدرت في بعض الولايات بعد اندلاع حرب ١٥ ابريل/الكرامة و خصوصاً بولايتي الجزيرة و نهر النيل.. و هي اما اوامر صدرت من الوالي شفاهة و علي رؤوس الاشهاد او مكتوبة و مفادها ملاحقة ما يعرف ب "المندسين" و الطابور الخامس و من يشتبه في انتماءهم او تخابرهم مع مليشيا الدعم السريع، حيث راج ان المليشيا تدفع بعناصر من استخباراتها و قناصيها الي المناطق التي تنوي احتلالها لتقوم تلك العناصر بالعمل من الداخل بما يسهل مهمة الاحتلال .. و تستهدف الملاحقات الباعة الجائلين و اصحاب المهن الهامشية، و أي شخص تشك فيه السلطات او المواطنين؛ و في اجواء من الارتياب بالغرباء غذتها دعاية الحرب تم الطلب من المواطنين التعاون بالتبليغ و حتي بالقبض و المطاردة علي من يرتابون فيه. قانون او تعاليمات (الوجوه الغريبة) اسفرت عن ممارسات متحيزة "ضد غرباء" تحديداً ينحدرون من اقاليم كردفان و دارفور في ولايات عدة (الجزيرة، و نهر النيل، و كسلا، و الشمالية)؛ فالوجوه الغريبة هي اوامر تأخذ الناس بالسحنة و الملامح؛ و هي ممارسات بالتالي اسوأ مما كانت تمارسه "مح...

تفكيك خطاب الحرب و (فلسفة البلابسة)

   الخطاب و الموقف السياسي المساند للحرب و الحسم العسكري و رفض التفاوض و رفض أي حديث عن تسوية سياسية سلمية يعتمد علي استقطاب و تحشيد العوام ممن لا خبرة و لا معرفة لهم بطبيعة الحرب ولا السياسة!    تحشيد العوام هذا خلق تيار جارف اخذ في طريقه حتي بعض "الانتلجنسيا" ممن لا قدرة لهم علي مواجهة العوام او ممن يظنون ان كل هذا الحشد لا يمكن الا ان يكون علي حق، فيحتفظ برأيه لنفسه او حتي يتخلي عنه و ينخرط مع التيار ..!!   في المقام الاول ان لخطاب العنف و التحريض و "الانتقام" جاذبيته؛ و ان للقوة و استعراضها سطوة، مثلما ان لصورة الضحية فعلها؛ اما اذا دمج خطاب الضحايا مع خطاب القدرة علي الانتقام فاننا نحصل علي سيناريو تقليدي للافلام "البوليودية" و كثيرون هنا تفتق وعيهم و انفتح ادراكهم علي افلام الهند! فما يحدث و ما يدعو اليه خطاب الحرب بالنسبة لهؤلاء مفهوم و مستوعب و في مدي تصورهم لذا يرونه ليس واقعياً فحسب بل و بطولي و مغري يستحق ان ينخرطوا فيه بكلياتهم. سؤال الطلقة الأولي: قبل ان يعرف الناس الحقيقة بشأن ما قاد الي هذه الحرب التي انتشرت في مدن السودان و ولاياته ان...

صراع الاجندة الاجنبية في الساحة السودانية

  صحيح ان بعض اصحاب الاجندة المحلية يميلون للاستقواء بقوة اجنبية و اجندة سياسية خارجية، لكن بديهي كذلك ان الاجندة الاجنبية لا تجد لها موطئ قدم في اي بلد ما لم يكن هناك اصحاب اجندة محلية قابلين للتعاون مع محاور الاجندة الخارجية (عملاء).. و السودان منذ وقت طويل اضحي ملعب للأجندة الاجنبية يتساوي في ذلك النخب المعارضة او الحاكمة ! حتي في مرحلة حكم الانقاذ التي كانت تعد بهوية وطنية و "عالمية" متميزة و بناء "دولة عظمي" مهيمنة علي الاقليم القريب و البعيد مركزها "ارض النيلين" الا انها سرعان ما تخلت عن هذا التوجه بعد انهيار التنظيم الحاكم بعد مفاصلة ١٩٩٩م! هذا التاريخ يبقي مهماً جداً لأنه يؤشر لمرحلة تنافس بين اصحاب المشروع "الرسالي" علي الفوز و الاستئثار برعاية التنظيم العالمي و كفالته! و عندما وصل ذلك التنافس الي مرحلة الانهاك انتقلت النخبة المتنفذة من اصحاب المشروع السياسي الرسالي لاحضان راعي اخر و قد مثل تحالف "الحزم" سانحة للانتقال! من ذلك التاريخ ايضاً اضحت الأجندة الاجنبية أعلي كعباً من كل الأجندة، و برغم اتهامات السلطة لمعارضيها بالعمالة...