التخطي إلى المحتوى الرئيسي

( 30يونيو عيد الخراب 3/3).. الي اين يقود البشير السودانيين .. والي اين ينقادون له؟!

   بلغة الارقام التي لا تكذب ولا تتجمل فإن حكم البشير هو اطول عهود الحكم منذ القرن السادس عشر الميلادي ولا يدانيه الا السلطان السناري بادي ابوشلوخ الذي حكم لنحو 34 عاما وكان ذلك قبل دخول السودان مرحلة الدولة الحديثة والتاريخ المعاصر التي يؤرخ لها بغزو والي مصر محمد علي باشا الكبير للسودان سنة 1821م .
   في العقود الثلاث التي حكمها البشير فإن حكومته ارتكبت كل موبقات السياسة في السودان، فيها اولا تم تقسيم السودانيين فرقا وشعوبا واثنيات وطوائف.. ثم تم التفريط في وحدة التراب الوطني و وحدة الشعب بانفصال الاقليم الجنوبي.. ذاك الانفصال اتي نتيجة منطقية لعملية تقسيم السودانيين لطوائف دينية واثنية آنفة الذكر ونتيجة لما يأتي من موبقات ارتكبتها حكومات البشير..
   تسبب حكم البشير في انهيار مؤسسات الدولة والحكم نتيجة لتعطيل قوانين كل المؤسسات ولوائح عملها التي تتضمن القواعد الضرورية للحكم الرشيد مثل ضرورة الحفاظ علي استقلالية وحياد تلك المؤسسات وعدم تسيسها، فعبر اسلوب الولاء الذي يقتضي ان يشغل كل الوظائف العليا والوسيطة اشخاص موالين للتنظيم في السابق وللبشير شخصيا حاليا، وتخلي تلك المؤسسات عن حياديتها واستقلالها ومن ثم انحلالها وفشلها عن اداء وظائفها.ولا يستثي من ذلك الفشل كل المؤسسات المدنية والعسكرية.
   كما طال الفشل مؤسسات المجتمع المدني من احزاب ونقابات والتي تم توجيه ضربات قاضية لبعضها و ومميتة لأخري وحتي المنظمات الطوعية الانسانية طالها التخريب.
   وطال التخريب حتي المؤسسات الخدمية فالمدارس و المستشفيات والجامعات في خدماتها تردت للحضيض، والاجهزة القانونية والعدلية اضحت في حال اقرب للخصخصة، مؤسسات الاقتصاد متداعية وخزائنها مفلسة بالمعني الكامل للكلمة.. الدولة الأن بينها و الانهيار خيط رفيع جدا.
   ثمة عامل واحد يشد مفاصل الدولة والامة السودانية الا هو السلم الاجتماعي، فالمجتمع السوداني برغم كل ما حاقته به سلطة البشير من اختبارات عسيرة و برغم كل الضربات التي تلقاها والتي هدفت بوضوح لفصل عراه واضعافه بغرض التمكين للسلطة فانه لا يزال هو الحامل الوحيد الذي تتكئ عليه الاعمدة المتداعية؛ فمن الواضح ان بقاء حكومة البشير اغلب مدته تلك كان بالاساس عائد لتحمل السودانيين له ومحافظتهم عليه خيار افضل من الفوضي التي يحتمل ان تحدث كنتيجة لضعف اجهزة الحكم؛ ليس في مقدور احد ان يتنبأ بالمدي الذي يمكن ان يصل اليه صمود المجتمع السوداني في ظل انهيار المؤسسات الماثل، و لا بمدي استجابته وطبيعة تلك الاستجابة لدعاوي التغيير التي تروج حاليا في وسائط التواصل، ولا بردة فعله في حاله الانهيار التام للسلطة السياسية 'عالية التوقع حاليا'...الخ
   فان بات من المعلوم ان البشير يقود السودانيين الي الهاوية المحتومة فان غير المفهوم هو سكوت السودانيين وبالاخص سكوت نخبهم السياسية و انقيادهم الي هذا المصير البئيس.. الأكيد ان ذلك السكوت ليس علامة علي رضا بقدر ما هو دليل عجز، فقد ظنت النخب ان سلطة البشير ستسقط بنفس السرعة والطريقة التي سقطت بها الحكومات السابقة، و فات علي فطنتها ان حكومته التي تتألف من مزيج عسكري ديني ليست كسابقاتها وانها كالسرطان كلما تأخر استئصاله كلما تعسرت عملية الشفاء منه وتضاعفت كلفته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شرح قانون الوجوه الغريبة !!

  المقصود بقانون الوجوه الغريبة هو اوامر الطوارئ التي صدرت في بعض الولايات بعد اندلاع حرب ١٥ ابريل/الكرامة و خصوصاً بولايتي الجزيرة و نهر النيل.. و هي اما اوامر صدرت من الوالي شفاهة و علي رؤوس الاشهاد او مكتوبة و مفادها ملاحقة ما يعرف ب "المندسين" و الطابور الخامس و من يشتبه في انتماءهم او تخابرهم مع مليشيا الدعم السريع، حيث راج ان المليشيا تدفع بعناصر من استخباراتها و قناصيها الي المناطق التي تنوي احتلالها لتقوم تلك العناصر بالعمل من الداخل بما يسهل مهمة الاحتلال .. و تستهدف الملاحقات الباعة الجائلين و اصحاب المهن الهامشية، و أي شخص تشك فيه السلطات او المواطنين؛ و في اجواء من الارتياب بالغرباء غذتها دعاية الحرب تم الطلب من المواطنين التعاون بالتبليغ و حتي بالقبض و المطاردة علي من يرتابون فيه. قانون او تعاليمات (الوجوه الغريبة) اسفرت عن ممارسات متحيزة "ضد غرباء" تحديداً ينحدرون من اقاليم كردفان و دارفور في ولايات عدة (الجزيرة، و نهر النيل، و كسلا، و الشمالية)؛ فالوجوه الغريبة هي اوامر تأخذ الناس بالسحنة و الملامح؛ و هي ممارسات بالتالي اسوأ مما كانت تمارسه "مح...

تفكيك خطاب الحرب و (فلسفة البلابسة)

   الخطاب و الموقف السياسي المساند للحرب و الحسم العسكري و رفض التفاوض و رفض أي حديث عن تسوية سياسية سلمية يعتمد علي استقطاب و تحشيد العوام ممن لا خبرة و لا معرفة لهم بطبيعة الحرب ولا السياسة!    تحشيد العوام هذا خلق تيار جارف اخذ في طريقه حتي بعض "الانتلجنسيا" ممن لا قدرة لهم علي مواجهة العوام او ممن يظنون ان كل هذا الحشد لا يمكن الا ان يكون علي حق، فيحتفظ برأيه لنفسه او حتي يتخلي عنه و ينخرط مع التيار ..!!   في المقام الاول ان لخطاب العنف و التحريض و "الانتقام" جاذبيته؛ و ان للقوة و استعراضها سطوة، مثلما ان لصورة الضحية فعلها؛ اما اذا دمج خطاب الضحايا مع خطاب القدرة علي الانتقام فاننا نحصل علي سيناريو تقليدي للافلام "البوليودية" و كثيرون هنا تفتق وعيهم و انفتح ادراكهم علي افلام الهند! فما يحدث و ما يدعو اليه خطاب الحرب بالنسبة لهؤلاء مفهوم و مستوعب و في مدي تصورهم لذا يرونه ليس واقعياً فحسب بل و بطولي و مغري يستحق ان ينخرطوا فيه بكلياتهم. سؤال الطلقة الأولي: قبل ان يعرف الناس الحقيقة بشأن ما قاد الي هذه الحرب التي انتشرت في مدن السودان و ولاياته ان...

صراع الاجندة الاجنبية في الساحة السودانية

  صحيح ان بعض اصحاب الاجندة المحلية يميلون للاستقواء بقوة اجنبية و اجندة سياسية خارجية، لكن بديهي كذلك ان الاجندة الاجنبية لا تجد لها موطئ قدم في اي بلد ما لم يكن هناك اصحاب اجندة محلية قابلين للتعاون مع محاور الاجندة الخارجية (عملاء).. و السودان منذ وقت طويل اضحي ملعب للأجندة الاجنبية يتساوي في ذلك النخب المعارضة او الحاكمة ! حتي في مرحلة حكم الانقاذ التي كانت تعد بهوية وطنية و "عالمية" متميزة و بناء "دولة عظمي" مهيمنة علي الاقليم القريب و البعيد مركزها "ارض النيلين" الا انها سرعان ما تخلت عن هذا التوجه بعد انهيار التنظيم الحاكم بعد مفاصلة ١٩٩٩م! هذا التاريخ يبقي مهماً جداً لأنه يؤشر لمرحلة تنافس بين اصحاب المشروع "الرسالي" علي الفوز و الاستئثار برعاية التنظيم العالمي و كفالته! و عندما وصل ذلك التنافس الي مرحلة الانهاك انتقلت النخبة المتنفذة من اصحاب المشروع السياسي الرسالي لاحضان راعي اخر و قد مثل تحالف "الحزم" سانحة للانتقال! من ذلك التاريخ ايضاً اضحت الأجندة الاجنبية أعلي كعباً من كل الأجندة، و برغم اتهامات السلطة لمعارضيها بالعمالة...