التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المتخرصون

   علي ايام "الحكومة المدنية" كانت هناك فئة عريضة و ناشطة من المتشككين و المرتابين في كفاءة الحكومة المدنية، و أهلية المدنيين للحكم جملةً!!

كانوا يقعدون بالمرصاد لكل خطأ او هنة من الهنات او هفوة فيثيرون جلبة كبيرة في الغالب لا تتناسب مع الحدث!

هؤلاء المرتابون و المشككون هم في الغالب من الذين اعتادوا علي الحكم الاستبدادي لدرجة غاب فيها وعيهم و عقلهم!!

هم يقبلون ان يحكمهم عسكري (مهما كانت صفاته الشخصية- من ضعف او قوة، و مهما كانت مؤهلاته) فيسمعون و يطيعون بل و لا يتذمرون حتي!

اما اذا جاءهم حاكم مدني قالوا "أني يكون له الملك.." و الحكم و ليست له قوة !!

و اخذوا يتربصون به الفشل، و كلما أخطأ فرحوا بخطأه و اذا اصاب اصيبوا بالقنوط و الحزن، ثم عادوا سريعاً الي ارتيابهم و تخرصهم و تربصهم ..

هذه الفئة ليست في عداد "الكيزان" و لا تربطهم بالنظام البائد اية رابطة، كما ليست لهم اية مصلحة في حكم "المكون الأمني/ العسكري" و لا يتلقون أية اموال و لا منافع، و لا يستفيدون من تهريب الذهب و لا مضاربة العملة.. 

لكنهم يخدمون النظام البائد و المكون الامني افضل من اي مجموعة مكلفة و مدفوع لها!!

المتخرصون يرون الهفوة التي تصدر من الحكومة المدنية و كأنها جبل او عاصفة لا تبقي و لا تذر..

اما كوارث حكومات الاستبداد و ان كانت في حجم الهضاب و قوة الاعاصير فيرونها مجرد ذرة و نسيم او هبوب يسيرة!!

المتخرصون لا يعتبرون السمع و الطاعة واجبة للحاكم انما هي واجبة للحاكم المستبد و "العسكري" فقط!

و هي ليست واجبة له و ان جلد ظهورهم و أخذ مالهم فقط، انما واجبة و ان ازهق ارواحهم و سفك دماءهم!!!

هؤلاء المتخرصون يحركهم ضعف الثقة في انفسهم و في جملة المدنيين!

يرون ان علة الحكم و السلطة هي القوة "الشوكة" و ليست الاقناع و لا البرنامج و لا حسن الادارة ولا الحكمة و لا العلم !!

و انعدام الثقة بالنفس و بالاخرين هذه علة نفسية يتطلب علاجها جلسات من العلاج النفسي و جرعات من العقاقير الطبية الخاصة بالمرضي العقليين.

ايام الحكومة المدنية كانت السياسة و عمل الحكومة شغلهم الشاغل، يتابعون كل شاردة و كل صغيرة و يهولون و يولولون... و بمجرد انقلاب العسكر، انصرفوا في حالهم و كأن الامور قد عادت لنصابها و الكون قد عاد الي سنن انتظامه!


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شرح قانون الوجوه الغريبة !!

  المقصود بقانون الوجوه الغريبة هو اوامر الطوارئ التي صدرت في بعض الولايات بعد اندلاع حرب ١٥ ابريل/الكرامة و خصوصاً بولايتي الجزيرة و نهر النيل.. و هي اما اوامر صدرت من الوالي شفاهة و علي رؤوس الاشهاد او مكتوبة و مفادها ملاحقة ما يعرف ب "المندسين" و الطابور الخامس و من يشتبه في انتماءهم او تخابرهم مع مليشيا الدعم السريع، حيث راج ان المليشيا تدفع بعناصر من استخباراتها و قناصيها الي المناطق التي تنوي احتلالها لتقوم تلك العناصر بالعمل من الداخل بما يسهل مهمة الاحتلال .. و تستهدف الملاحقات الباعة الجائلين و اصحاب المهن الهامشية، و أي شخص تشك فيه السلطات او المواطنين؛ و في اجواء من الارتياب بالغرباء غذتها دعاية الحرب تم الطلب من المواطنين التعاون بالتبليغ و حتي بالقبض و المطاردة علي من يرتابون فيه. قانون او تعاليمات (الوجوه الغريبة) اسفرت عن ممارسات متحيزة "ضد غرباء" تحديداً ينحدرون من اقاليم كردفان و دارفور في ولايات عدة (الجزيرة، و نهر النيل، و كسلا، و الشمالية)؛ فالوجوه الغريبة هي اوامر تأخذ الناس بالسحنة و الملامح؛ و هي ممارسات بالتالي اسوأ مما كانت تمارسه "مح...

تفكيك خطاب الحرب و (فلسفة البلابسة)

   الخطاب و الموقف السياسي المساند للحرب و الحسم العسكري و رفض التفاوض و رفض أي حديث عن تسوية سياسية سلمية يعتمد علي استقطاب و تحشيد العوام ممن لا خبرة و لا معرفة لهم بطبيعة الحرب ولا السياسة!    تحشيد العوام هذا خلق تيار جارف اخذ في طريقه حتي بعض "الانتلجنسيا" ممن لا قدرة لهم علي مواجهة العوام او ممن يظنون ان كل هذا الحشد لا يمكن الا ان يكون علي حق، فيحتفظ برأيه لنفسه او حتي يتخلي عنه و ينخرط مع التيار ..!!   في المقام الاول ان لخطاب العنف و التحريض و "الانتقام" جاذبيته؛ و ان للقوة و استعراضها سطوة، مثلما ان لصورة الضحية فعلها؛ اما اذا دمج خطاب الضحايا مع خطاب القدرة علي الانتقام فاننا نحصل علي سيناريو تقليدي للافلام "البوليودية" و كثيرون هنا تفتق وعيهم و انفتح ادراكهم علي افلام الهند! فما يحدث و ما يدعو اليه خطاب الحرب بالنسبة لهؤلاء مفهوم و مستوعب و في مدي تصورهم لذا يرونه ليس واقعياً فحسب بل و بطولي و مغري يستحق ان ينخرطوا فيه بكلياتهم. سؤال الطلقة الأولي: قبل ان يعرف الناس الحقيقة بشأن ما قاد الي هذه الحرب التي انتشرت في مدن السودان و ولاياته ان...

عقدة عنترة!

  عنترة بن شداد شاعر بني عبس و فارسها، بل شاعر وفارس العرب، عاش تجربة حياة مريرة ولم يتم انصافه في حياته ولم ينصفه التاريخ، هي تجربة تنكر مجتمع وجماعة، تنكرت له العشيرة والقبائل وسعت للحط من قدره رقم ان يده و لسانه وروحه كانت دوما ترفع من قدره!   تنكرت له العشيرة لأن لونه فاحم وسحنته افريقية رغم ان دمه وجيناته بلا ادني لبس نصف عربية و رغم ان لسانه و خياله ( ثقافته ) عربيتان بالكامل، وبقدر يفوق الكثير من مجايليه و اللاحقين له! لكن الضمير العربي ابي ان يقر له بانتمائه الاصيل وتنكر له ونفاه واحتقره!   منذ ذلك العهد والي اليوم بدأ احتقار الاعراب للون الأسود! اذ لا شك ان كثيرون مثله نصف عرب قبلوا وادمجوا في ثقافة الصحراء العربية فقط لأن نصفهم الآخر فارسي او روماني او بصراحة ليس افريقي و زنجي! و لأن لون بشرتهم ابيض! فحتي العرب السود الذين لا شك في انتسابهم للعروبة تم وصمهم بختم بداني الاستعباد، فالشعراء العرب وصفوا ب( غربان العرب ) و وضعوا في رف منسي علي الذاكرة العربية، وشخصيات امثال زيد الخيل الطائي يتم تهميشها عمدا ؛   منذ ذلك العهد استقرت في العقلية العربية فرضية...