التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعات و دول ما بعد الاستبداد

 معروف في مجال المنازعات و دراساتها، و علوم السياسة و سائر الدراسات الانسانية، ان المجتمعات التي تخرج من حالة حرب تعيش في اعقاب انتهاء الحرب مرحلة تداعيات العنف و الصراع و قد تكون هناك ردات فعل قوية و تجاذب بين السلم المنشود و الصراع، و قد تصل الامور احياناً لمرحلة انهيار السلام الهش و تجدد العنف المميت و بوتائر اشد ان لم يتم التعامل برشد مع الحوادث و بحكمة و معرفة و ضبط شديد.

إذاً تحتاج المجتمعات في طور ما بعد الحروب لمجهود كبير سياسياً و قانونياً و ادارياً و اجتماعياً و اعلامياً مع تركيز خاص علي نظريات علم النفس البشرية بحيث يتم السيطرة علي كل الهواجس و المخاوف و علي النزعات و الرغبات..

لكن للأسف ليست هناك دراسات كافية تختص بمراحل ما بعد الحكم الاستبدادي، سواء كان ذلك الاستبداد بفعل حكومة استعمار اجنبي أو علي يد دكتاتورية وطنية!  ربما تكون هناك دراسات قديمة نسبياً لكنها لم تنشر علي نطاق واسع بسبب ان الجهات القوية في العالم ليس من مصلحتها ان تنتشر تلك الدراسات و التي تصلح بالتأكيد لتؤسس فرع من العلوم يمكن أن يستغل بذاته. فدراسات المجتمعات التي خضعت للاستعمار يجريها المستعمرون انفسهم و لاغراض تخص مجتمعاتهم لا تلك المجتمعات التي تم اخضاعها للاستعمار اولاً ثم اخضعت بعدها لنوع من التبعية بعد الاستقلال، كما ان المجتمعات التي خضعت للاستبداد في الغالب مجتمعات متخلفة و متأخرة في مضمار البحث و العلوم؛ إلا ما ندر كاسبانيا "فرانكو" و اوروبا الشرقية بولندا و صربيا.. الخ

ان الاستبداد يؤسس لهيمنة في كل المجالات بما فيها حقل العلوم، و حيث ان الحريات هي أول ضحايا الاستبداد؛ فان حرية البحث العلمي تمثل الضحية المجهولة التي لا يسمع عنها الكثيرون و لا يأبه بها احد!!

تكون المجتمعات في مرحلة ما بعد الاستبداد في حال ضعف لا تحسد عليه، و تلعق فيها جراحاً كثيرة و تسعي في حل الكثير جداً من المشاكل و التعقيدات و علاج امراض ما بعد الاستبداد و بلا ادني معينات او خبرة في علاج تلك الامراض و تسوية تلك الازمات!

ذلك الضعف يهدد بأن يعود الاستبداد في اي وقت، و انه لم يرحل تماماً بل ينتظر خلف الباب مترقباً أول سانحة ليعود من جديد.

اليوم يخرج السودانيون من عقود حكم استبدادي غير مسبوق في مداه، و ان كان له مثيل من حيث كونه استبداد بإسم الدين! فهو نظام يختلف عن نظام ايران في انه بلا سقوفات وطنية و لا يقيم وزناً لمقدرات الشعب و الوطن، نظام قسم الأرض و الناس و هدم المؤسسات و هدم القيم، نظام هدم الانسان!

ان الشعب السوداني في أمس الحاجة لممراكز و منظمات مختصة في دراسات الاستبداد لتضع وصفة و خارطة طريق لعبور مرحلة ما بعد الاستبداد.

مارس ٢٠٢٠م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شرح قانون الوجوه الغريبة !!

  المقصود بقانون الوجوه الغريبة هو اوامر الطوارئ التي صدرت في بعض الولايات بعد اندلاع حرب ١٥ ابريل/الكرامة و خصوصاً بولايتي الجزيرة و نهر النيل.. و هي اما اوامر صدرت من الوالي شفاهة و علي رؤوس الاشهاد او مكتوبة و مفادها ملاحقة ما يعرف ب "المندسين" و الطابور الخامس و من يشتبه في انتماءهم او تخابرهم مع مليشيا الدعم السريع، حيث راج ان المليشيا تدفع بعناصر من استخباراتها و قناصيها الي المناطق التي تنوي احتلالها لتقوم تلك العناصر بالعمل من الداخل بما يسهل مهمة الاحتلال .. و تستهدف الملاحقات الباعة الجائلين و اصحاب المهن الهامشية، و أي شخص تشك فيه السلطات او المواطنين؛ و في اجواء من الارتياب بالغرباء غذتها دعاية الحرب تم الطلب من المواطنين التعاون بالتبليغ و حتي بالقبض و المطاردة علي من يرتابون فيه. قانون او تعاليمات (الوجوه الغريبة) اسفرت عن ممارسات متحيزة "ضد غرباء" تحديداً ينحدرون من اقاليم كردفان و دارفور في ولايات عدة (الجزيرة، و نهر النيل، و كسلا، و الشمالية)؛ فالوجوه الغريبة هي اوامر تأخذ الناس بالسحنة و الملامح؛ و هي ممارسات بالتالي اسوأ مما كانت تمارسه "مح...

تفكيك خطاب الحرب و (فلسفة البلابسة)

   الخطاب و الموقف السياسي المساند للحرب و الحسم العسكري و رفض التفاوض و رفض أي حديث عن تسوية سياسية سلمية يعتمد علي استقطاب و تحشيد العوام ممن لا خبرة و لا معرفة لهم بطبيعة الحرب ولا السياسة!    تحشيد العوام هذا خلق تيار جارف اخذ في طريقه حتي بعض "الانتلجنسيا" ممن لا قدرة لهم علي مواجهة العوام او ممن يظنون ان كل هذا الحشد لا يمكن الا ان يكون علي حق، فيحتفظ برأيه لنفسه او حتي يتخلي عنه و ينخرط مع التيار ..!!   في المقام الاول ان لخطاب العنف و التحريض و "الانتقام" جاذبيته؛ و ان للقوة و استعراضها سطوة، مثلما ان لصورة الضحية فعلها؛ اما اذا دمج خطاب الضحايا مع خطاب القدرة علي الانتقام فاننا نحصل علي سيناريو تقليدي للافلام "البوليودية" و كثيرون هنا تفتق وعيهم و انفتح ادراكهم علي افلام الهند! فما يحدث و ما يدعو اليه خطاب الحرب بالنسبة لهؤلاء مفهوم و مستوعب و في مدي تصورهم لذا يرونه ليس واقعياً فحسب بل و بطولي و مغري يستحق ان ينخرطوا فيه بكلياتهم. سؤال الطلقة الأولي: قبل ان يعرف الناس الحقيقة بشأن ما قاد الي هذه الحرب التي انتشرت في مدن السودان و ولاياته ان...

عقدة عنترة!

  عنترة بن شداد شاعر بني عبس و فارسها، بل شاعر وفارس العرب، عاش تجربة حياة مريرة ولم يتم انصافه في حياته ولم ينصفه التاريخ، هي تجربة تنكر مجتمع وجماعة، تنكرت له العشيرة والقبائل وسعت للحط من قدره رقم ان يده و لسانه وروحه كانت دوما ترفع من قدره!   تنكرت له العشيرة لأن لونه فاحم وسحنته افريقية رغم ان دمه وجيناته بلا ادني لبس نصف عربية و رغم ان لسانه و خياله ( ثقافته ) عربيتان بالكامل، وبقدر يفوق الكثير من مجايليه و اللاحقين له! لكن الضمير العربي ابي ان يقر له بانتمائه الاصيل وتنكر له ونفاه واحتقره!   منذ ذلك العهد والي اليوم بدأ احتقار الاعراب للون الأسود! اذ لا شك ان كثيرون مثله نصف عرب قبلوا وادمجوا في ثقافة الصحراء العربية فقط لأن نصفهم الآخر فارسي او روماني او بصراحة ليس افريقي و زنجي! و لأن لون بشرتهم ابيض! فحتي العرب السود الذين لا شك في انتسابهم للعروبة تم وصمهم بختم بداني الاستعباد، فالشعراء العرب وصفوا ب( غربان العرب ) و وضعوا في رف منسي علي الذاكرة العربية، وشخصيات امثال زيد الخيل الطائي يتم تهميشها عمدا ؛   منذ ذلك العهد استقرت في العقلية العربية فرضية...