لكل نظام اقتصادي قوانينه و قواعده و منطقه، السوق الحر له منطق، و الاقتصاد الاشتراكي "الكامل" له قواعد، و اقتصاد العدالة الإجتماعية "الاشتراكية الديمقراطية" له مبادئ،
فما هي مبادئ اقتصاد السودان في عهد الكيزان و قطط الاسلامويين؟!
لكي نفهم مبادئ اقتصاد الكيزان علينا ان نعود قليلاً الي العام ٢٠٠٥م، أي العام الذي ابرمت فيه معاهدة نيفاشا..
في تلك السنة و لأن الكيزان ظنوا ان فرص الفساد و التجاوزات ستنعدم أو تتقلص بدخول الحركة الشعبية و حلفائها في التجمع الوطني لذا اعلنوا و بصريح العبارة انهم اطلقوا علي تلك السنة "الفين و خمشة" اي ان كل منهم "سيخمش" و ينتهب النهبة فلعله لا يعود بعدها لذلك!
ثم تكشف لهم ان رفاق الشعبية ليسو بانظف ذمة من "اخوان" الصفا!! اتصل الفساد الي الانتخابات في ٢٠١٠م و فيها قالوا "و كان شعارهم الصريح أنهم الافضل لأنهم سرقوا و اغتنوا و أن انتخب الناس وجوه جديدة ستبدأ الفساد من الصفر!!" هكذا بكل بجاحة و فحش! و كنا نسمع ذلك و نتضاحك في بلاهة!
تم تدمير مؤسسات و قواعد الاقتصاد الوطني و أسموا تجربتهم الاقتصاد الاسلامي لكن ما هو الاقتصاد الاسلامي؟ و هل هو اقتصاد فاقد للحساسية مع الشفافية و يتسامح مع الفساد و المحاباة و لا يقيم وزنا للنزاهة و عدالة المنافسة و تساوي الفرص؟!
الاقتصاد السوداني اليوم هو اقتصاد فاقد للقواعد و المبادئ، اقتصاد بلا اعمدة.. اقتصاد يقوم علي العشوائية و التخبط و يدار كيفما اتفق و حسب هوي الجالسين علي منصات القرار في اعلي هرم الاقتصاد و حتي ادناه دون توافق أو انسجام!
الفاعلين الإقتصاديين فيه اعتمدوا علي صلتهم بالسلطة و قربهم منها و ما يتمتعون به من إعفاءات و حماية! لا علي إنتاجهم و لا ما يملكونه من ميزة تجارية أو خدمية! و اغلب أولئك الفاعلين اقتصادياً هم مصطنعين اصطناعاً "يتحركون بالمال و الموارد العامة" لذلك هم عبء مزدوج علي الاقتصاد و ليسوا دعامة له!
كبار الموردين أو المصدرين و كبار المقاولين و المتعهدين و مزودي الخدمات و من يخدمون تحتهم من وكلاء و موزعين الي اخر حلقات سلسلة الإمداد.. كلهم لا يمثلون قيمة إضافية إنما هم عالة علي المجتمع المنهك و ينخرون في عظم الدولة مباشرة كالسوس..
اغلب الشركات و الأفراد لا يجتهدون لتجويد الخدمة التي يقدمونها و إضافة قيمة بل علي العكس يجتهدون في تعظيم العمولات و الأرباح ..
تلك الشركات و الأفراد كما سبق ظلت ترتبط بحبل سري "أو علني أحياناً" مع الحزب الحاكم و بعضها مع جهاز الأمن مباشرةً عبر ذراع الامن الاقتصادي؛ و ما أدراك ما الأمن الاقتصادي؟ أمن السوق؟ و الذي لا يزال ينشط حتي يومنا هذا! و تتم الاشارة إليه في الخطابات و المكاتبات الرسمية رغم إعادة هيكلة جهاز الأمن و تسريح بعض وحداته و تغيير واجباته و نشاطه و اسمه؟ الامن الاقتصادي كان يملك اذرع تجارية تتدخل في السوق بامكانات الدولة و مال المخابرات لخدمة سياسات الدولة الاقتصادية رغم مزاعم تحرير السوق؟! لذا كانت تلك الواجهات لا تهتم بقواعد السوق و الاقتصاد و حسابات الربح و الخسارة بقدر ما تراعي التعليمات و الأوامر و التوجيهات و تعمل بعقلية البروقراطية الأمنية!
لذا و مع سقوط النظام تحررت تلك الشركات و الأفراد من وكلاء و عملاء و وسطاء و سماسرة من ضغط الحزب الحاكم و تعليمات الأمن فيما هي لا تزال تحتكم علي موارد المجتمع و الدولة و لذا مثلث الأشهر الماضية فرصة لتعظيم المكاسب و مراكمتها دون مقابل لا سيما في ظل ضعف الرقابة و المحاسبة و عدم فعالية ادوات الثورة بما في ذلك آلية إزالة التمكين..
و لكل ذلك تعيش البلاد أزمات في الوقود و الخبز و انهيار للعملة الوطنية أمام الدولار، برغم الحديث عن سفن المساعدات و القمح الاميركي و الاسرائيلي، و رغم اجتهادات الوقود المدعوم و غير المدعوم و الخبز المدعوم و التجاري إلا ان الاختناق لا يزال قائم !!
فالواضح ان الازمة و عقدتها ليسا في شح السلع بقدر ما في انسداد القنوات و تسريبها بسبب فسادها و قدمها و اهتراءها...
و بالمناسبة و مع الحديث عن حل جهاز الأمن لا تزال وحدة الأمن الاقتصادي تعمل "بدليل المخاطبات الرسمية" و دون توضيح للدور الذي تلعبه و الجهة التي تتبع لها و تنفذ سياساتها؟ و في غياب الاحترازات من أنها ترعي ذات القطط السمان الذين تربوا في حجرها!!
لم يبرز مع التغيير الثوري أي تشكيل اقتصادي جديد لا من الحكومة و لا من المجتمع! فدوائر الحاضنة تتصرف بروتينية اسوأ من تلك التي سادت في السابق و من المؤسف أن يتحدث أحد ناشطي تلك الحاضنة ممن يحملون شهادات في إدارة الأعمال عن شركات المساهمة العامة علي انها ادوات هيمنة رأسمالية في حين أن تلك الشركات هي في الواقع من أدوات المجتمع و هي ما جعلت المجتمعات الرأسمالية اقوي من الحكومات و من السلطة الرأسمالية و من المجتمعات الشيوعية! فالمنظومة الشيوعية سقطت و تفككت لأنها كانت حريصة علي ابقاء المجتمعات اضعف من السلطة و مهيمن عليها بالكامل بواسطة الحكومات و اجهزتها البروقراطية و الأمنية.
كان يفترض و يؤمل من مثل هذا الناشط ان يكون ملماً بمبدأ فصل الادارة عن رأس المال و ان يكون مع غيره من دعاة هذا المبدأ و يتولون شرحه وسط الفاعلين الاقتصاديين و بروقراطية الدولة، حتي نبلغ مرحلة الاقتصاد غير المهيمن عليه من قبل الدولة أو من قبل أفراد! لكنهم لا يزالون مأخوذين بجدل "فصل الدين عن الدولة" !!
- فبراير ٢٠٢١م
تعليقات
إرسال تعليق