لسنوات طويلة كانت احتكاكات الحدود و "عصابات الشفتة الأثيوبية" هي اقصي ما ينغص صفو العلاقات السودانية الاثيوبية،
فبعد سنوات دعم السودان للمعارضة الاسلامية و غير الاسلامية في المنطقة بما في ذلك اثيوبيا و محاولة اغتيال حسني مبارك "رئيس مصر الاسبق" في اديس اببا تراجعت الخرطوم عن تلك السياسات بل و دخلت في حلف استراتيجي مع اثيوبيا حتي اضحي البشير و زيناوي صديقين مقربين و توقفت الخرطوم عن التدخل في شأن الجارة الشرقية و سمحت الخرطوم للاثيوبيين بالتواجد في مزارع الفشقة الخصيبة مقابل ان تتنازل اثيوبيا عن مطالبها الدولية بخصوص حادثة مقر القمة الافريقية و إن توقف دعمها للمعارضة المسلحة السودانية -التجمع الوطني الديمقراطي (و بما فيها الحركة الشعبية لتحرير جنوب-السودان).
بلغت علاقات الخرطوم بأديس اببا قمة حميميتها في مراسم تأبين و عزاء الرئيس الأثيوبي الراحل التي اقامها "النظام البائد" بعد عام من وفاته (اغسطس 2013م) و استغرقت المراسم يوم كامل و تضمن مؤتمر قدمت فيه اوراق عن اسهامات زيناوي في اثيوبيا و دوره القاري بقاعة الصداقة بالخرطوم في حضور أرملته.. و تبرع الرئيس المخلوع بمبلغ (2) مليون دولار لمؤسسة تحمل اسم رئيس الوزراء الراحل!
كما قضي الرئيس المخلوع احد اطول اجازاته في منتجعات بحردار حيث منابع النيل الأزرق في العام 2014م..
كذلك تم تكريم البشير في منتدي اثيوبي في العام 2016م و اثار ذلك التكريم لغط حيث زعم البعض بأن الرئاسة السودانية مولته بالكامل و إن تكلفته تناهز المليون دولار!
و حتي عندما اعلنت اثيوبيا عن نيتها بناء سد ضخم علي النيل الأزرق عند مشارف حدود السودان لم يعتبر النظام السابق ان ذلك العمل "مهدد" مائي أو امني و كانت في حال توافق مع الموقف الأثيوبي خصوصاً ابان مرحلة حكم المجلس العسكري في مصر بقيادة المشير طنطاوي؛ لكن في عهد الرئيس محمد مرسي بدأنا نرصد تبدل في الموقف السوداني لصالح مصر اذ بدأ النزوع الايدولوجي "الاخواني" يفعل فعله، لكن سرعان ما انتهي حكم "مرسي" و بذلك الشكل الدرامي و الدامي جداً و هنا عادت الخرطوم للتوافق و التكامل مع اثيوبيا مجدداً، حتي بلغت مستوي الحلف الاستراتيجي!
لكن عادت الخرطوم لطبيعتها المترددة مع اندماجها في حلف الحزم الخليجي و الذي انهي عزلتها الخليجية و العربية و اقتضي قدر من التقارب مع مصر ايضاً.
هذا الموقف المتردد هو ما شجع اثيوبيا علي دعم استقرار السودان و بقوة، و دعم الانتقال بعد سقوط نظام البشير و كانت مبادرة رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد و زياراته المتكررة للخرطوم في تلك الظروف العصيبة و التي تكللت بحضوره جلسة ابرام الاتفاق السياسي و التي حظي فيها بترحيب شعبي دافئ ملحوظ!
تفسير التوتر الاخير علي الحدود يمكن ان يكون بسبب حاجة كلا الدولتين الي محفز خارجي لاصطناع اصطفاف داخلي جديد، فالأنظمة الديكتاتورية لا تولد و تعيش الا في أجواء الحرب ولا تنتعش و تستمر الا في حالة الحرب لذا تجدها تحرص دائما علي إشعال الحروب أو ابقاءها مشتعلة، و المكون العسكري الذي يقود الانتقال اليوم في الخرطوم مع شركاءه المدنيين يبحث عن معركة محدودة "صغيرة" يخرج منها منتصراً و يحسن بها مركزه داخلياً و يحسم الانتقال لصالح نهج استبداد جديد..
أما نظام اثيوبيا و الذي يعاني من تفكك الائتلاف القديم (الجبهة الشعبية الأثيوبية) و ضعف الائتلاف الجديد الذي يبنيه رئيس الحكومة، و من توترات عرقية بكل الاقاليم الأثيوبية و حرب باقليم التقراي الشماليه يحتاج كذلك لعامل توتير خارجي حتي يخلق حالة من التماسك الوطني حتي تتمكن السلطات من احكام قبضتها علي الامور..
إذاً قد تكون الازمة مفتعلة بالاتفاق أو تصادف انها تخدم كلا الجانبين، لكن علي كل حال يستبعد ان تقود الي حرب شاملة بين البلدين نسبة لحالة الضعف و الانهاك التي تعتري كلا القطرين.
٢٠٢١ يناير
تعليقات
إرسال تعليق