التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عن المدن و المدنية في السودان في ازمان النزاعات و ماقبلها و مابعدها

 بعد تحرير الخرطوم والجزيرة تهتم سلطات الولايتين بازالة سكن النازحين في اطراف الخرطوم و مدني و كأن ازالة هذه المساكن هو ما سيضمن امن المدن؟!!!ما يحدث هو انهم يضغطون علي الضعفاء.

الواجب او الأوجب ان تكون الحرب و النزوح من تلك المدن هو فرصة لاعادة تنظيم قلب تلك المدن و تجاوز الفوضي القديمة التي فرضتها حالة الزحام و نظام    system المحاباة المتبع منذ تأسيس تلك المدن..
هذه فرصة لاعادة تخطيط قلب المدن و ضم الملكيات والحيازات الصغيرة فيها حتي يسهل ادارتها اما الاطراف مكان سكن الضعفاء فيترك للملكيات و الحيازات الصغيرة و الانتظار الي حين استتباب الامن في جميع اجزاء القطر ثم تبني برنامج اعادة توطين (طوعي) للنازحين في مدن جديدة (كالمدن الشبابية التي وعد بها رئيس الوزراء كامل ادريس) لاعادة تسكين النازحين في مناطقهم او مناطق انتاج زراعي و صناعي بديلة..
ثم ان مشكلة الخرطوم و بقية مدن السودان لا تكمن في حزام العشوائيات او (الحزام الاسود) كما وصفه ساسة (عنصريون) منذ ٢٠٠٥م؛ فهذا الحزام لم ينتج عنه اي تهديد أمني خطير بخلاف المهددات الصغيرة التي تشغل العقول الصغيرة؛ كحوادث السرقات الليلة و النشل و بعض حوادث النهب المتفرقة؛ فيما كانت له (حزام العشوائيات) مميزات كثيرة منها توفير عمالة و قدرة استهلاكية ضاربة .. الخ
يقول عتاة معسكر الحرب ان حزام العشوائيات وفر جيش (متعاونين) للمليشيا المتمردة؛ و هذا ادعاء ليس عليه برهان مثلما ان تهمة التعاون نفسها ليس لها اساس قانوني، هل هناك احصائية يعتمد عليها توضح عدد وتأثير متعاوني العشوائيات بالمقارنة مع عدد و تاثير متعاوني الاحياء العريقة في الخرطوم و ود مدني؟!! بالتأكيد لا؛ ثم ما نسبة المتعاونيين من ابناء تلك الاحياء مقارنةً باعداد ابناءها من منسوبي القوات النظامية و الامنية والاحزاب السياسية بما فيها الحركة الاسلامية نفسها؟!!
ثم ان صح ذلك الادعاء او (لم يصح) هل تعاون ابناء العشوائيات لأن التمرد طبع عندهم ؟ و جين ورثوه عن اباؤهم؟ ام هناك اسباب موضوعية؛ منها انهم استيقظوا ذات صباح و وجدوا الدولة قد نزحت الي بورتسودان -و الاعمال و الاسواق كافة تعطلت- وتركتهم يواجهون مصيرهم بأنفسهم؟ و كان امامهم خياران: ان يتركوا مقتنياتهم و حصاد سنينهم و ينزحوا خلف الدولة؛ او يتعايشوا مع المليشيا المتمردة حفاظاً علي انفسهم! و قد قيل مداراة المؤمن علي نفسه حسنة!
هذه علاوة علي ان ذلك (الحزام) كانت له مبررات منطقية تعود الي فشل الدولة نفسها في توفير الامن و مجابهة الكوارث في المناطق التي نزحوا منها (التمردات المتكررة و الجفاف و التصحر و ضعف التنمية و الخدمات ..الخ).
ثم ان مشكلة (المدنيات) السودانية في خضم هذه الازمة (الحرب)؛ ليست احزمة العشوائيات انما بلاساس انعدام رؤية التخطيط الهندسي و الامني و الدفاعي لتلك المدن؛ فكل مدن السودان منكشفة دفاعياً و امنياً و بمقدور ابسط قوة عسكرية نظامية او مليشيوية ان تسيطر عليها و هذا وضح بعد ١٥ ابريل، فما دار في مدن العاصمة الثلاثة و عاصمة الجزيرة و عاصمة سنار و عواصم ولايات دارفور و كردفان لا يصح وصفه بحرب مدن (القتال من شارع الي شارع و من باب الي باب) لأن المدن تلك كانت مكشوفة و كانت تسقط لا بالمربعات انما بالأحياء و بالمناطق الكبيرة.. كل تلك المدن سقطت في يد الدعم السريع أو سقطت من يده في يوم واحد .. لأنها مدن يصعب الدفاع عنها، لكونها هندسياً و تخطيطياً لا تدافع عن نفسها..
ان اعتبارات الامن و الدفاع هي اول اعتبارات تخطيط المدن منذ ما قبل الحرب العالمية الأولي؛ و المدن يتم تخطيطها بحيث لا يفهم و لا يعرف مداخلها و طرقاتها و (اسرارها) الا من عاش فيها لسنوات علي الاقل.. فيما مدن السودان يمكن لأي عابر مر بها مرور ان يفهم منطقها الخاص و يمكن ان يجتاحها في ساعات..
ولا نقصد هنا تصميم الملاجئ الدفاعية فتلك مرحلة متقدمة و ان كان علي مخططي المدن ان يتحسبوا لها في مخططاتهم بحيث يتم تبنيها بسهولة مستقبلاً عند الحاجة.. المقصود هنا تخطيط الشوارع و الاحياء بحيث يكون لكل حي و منطقة تخطيط و خريطة مستقلة و منفصلة لا أن تكون كل المدينة و كل الشوارع بذات الشكل (البيوت العشرة و الشوارع شمال/جنوب) .. كما البيوت غرفتنان مخلوفتان!!
معظم المدن تخطط احياءها اليوم بطريقة المجمعات (كمباوند) بأسوار و بوابات و هو ما يشبه المعسكر، و بمداخل محددة و محصورة بحيث بسهل ضبطها امنياً في حالة الجريمة و الدفاع عنها و عن ساكنيها في حالات الحرب.. و ان تعذر تشييد الاسوار فان من المهم ان يكون تخطيط المباني و الشوارع بطريقة تعوض الاسوار و البوابات بحيث تكون البيوت و المباني نفسها اسوار و الطرقات ابواب و مداخل و مخارج محددة يمكن التحكم فيها.
ان الاصل انه يصعب حكم المدن و السيطرة عليها لسلطة عسكرية (أو مليشوية) و التخطيط العمراني هو احد تلك الضمانات التي تحقق صعوبة السيطرة عليها بالسلاح وحده و انما من الضروري ان تُحكم بسلطة مدنية (بلديات و عموديات ..) و تلك السلطة المدنية لا يمكن ان تكون مفروضة بحرب او انقلاب انما مقبولة اجتماعياً و تمثل قطاعات السكان تمثيلاً عدلاً؛ و بسبب عدم توفر هذا الشرط منذ تشكل الدولة المدنية الحديثة في السودان سنة ١٨٢١م و قيام سلطات مدنية (متعاونة) مع الاحتلال الأجنبي او الانقلاب العسكري الوطني؛ فان مدن السودان ظلت تتخبط في الفوضي و الازمات.
عدم توفر شرط التخطيط العمراني المدني ليس خطأ المهندسين (مهندسي السلطة الحاكمة) وحدهم انما كذلك فشل جهاز التشريع القانوني و وحدات انفاذ القانون و التي في الغالب تنظر الي ضوابط التخطيط المدني علي انها حواجز بمقدور الافراد تجاوزها قفز بدفع مقابل (رشاوي) لموظفي سلطات انفاذ القانون.

انور محمد سليمان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شرح قانون الوجوه الغريبة !!

  المقصود بقانون الوجوه الغريبة هو اوامر الطوارئ التي صدرت في بعض الولايات بعد اندلاع حرب ١٥ ابريل/الكرامة و خصوصاً بولايتي الجزيرة و نهر النيل.. و هي اما اوامر صدرت من الوالي شفاهة و علي رؤوس الاشهاد او مكتوبة و مفادها ملاحقة ما يعرف ب "المندسين" و الطابور الخامس و من يشتبه في انتماءهم او تخابرهم مع مليشيا الدعم السريع، حيث راج ان المليشيا تدفع بعناصر من استخباراتها و قناصيها الي المناطق التي تنوي احتلالها لتقوم تلك العناصر بالعمل من الداخل بما يسهل مهمة الاحتلال .. و تستهدف الملاحقات الباعة الجائلين و اصحاب المهن الهامشية، و أي شخص تشك فيه السلطات او المواطنين؛ و في اجواء من الارتياب بالغرباء غذتها دعاية الحرب تم الطلب من المواطنين التعاون بالتبليغ و حتي بالقبض و المطاردة علي من يرتابون فيه. قانون او تعاليمات (الوجوه الغريبة) اسفرت عن ممارسات متحيزة "ضد غرباء" تحديداً ينحدرون من اقاليم كردفان و دارفور في ولايات عدة (الجزيرة، و نهر النيل، و كسلا، و الشمالية)؛ فالوجوه الغريبة هي اوامر تأخذ الناس بالسحنة و الملامح؛ و هي ممارسات بالتالي اسوأ مما كانت تمارسه "مح...

تفكيك خطاب الحرب و (فلسفة البلابسة)

   الخطاب و الموقف السياسي المساند للحرب و الحسم العسكري و رفض التفاوض و رفض أي حديث عن تسوية سياسية سلمية يعتمد علي استقطاب و تحشيد العوام ممن لا خبرة و لا معرفة لهم بطبيعة الحرب ولا السياسة!    تحشيد العوام هذا خلق تيار جارف اخذ في طريقه حتي بعض "الانتلجنسيا" ممن لا قدرة لهم علي مواجهة العوام او ممن يظنون ان كل هذا الحشد لا يمكن الا ان يكون علي حق، فيحتفظ برأيه لنفسه او حتي يتخلي عنه و ينخرط مع التيار ..!!   في المقام الاول ان لخطاب العنف و التحريض و "الانتقام" جاذبيته؛ و ان للقوة و استعراضها سطوة، مثلما ان لصورة الضحية فعلها؛ اما اذا دمج خطاب الضحايا مع خطاب القدرة علي الانتقام فاننا نحصل علي سيناريو تقليدي للافلام "البوليودية" و كثيرون هنا تفتق وعيهم و انفتح ادراكهم علي افلام الهند! فما يحدث و ما يدعو اليه خطاب الحرب بالنسبة لهؤلاء مفهوم و مستوعب و في مدي تصورهم لذا يرونه ليس واقعياً فحسب بل و بطولي و مغري يستحق ان ينخرطوا فيه بكلياتهم. سؤال الطلقة الأولي: قبل ان يعرف الناس الحقيقة بشأن ما قاد الي هذه الحرب التي انتشرت في مدن السودان و ولاياته ان...

عقدة عنترة!

  عنترة بن شداد شاعر بني عبس و فارسها، بل شاعر وفارس العرب، عاش تجربة حياة مريرة ولم يتم انصافه في حياته ولم ينصفه التاريخ، هي تجربة تنكر مجتمع وجماعة، تنكرت له العشيرة والقبائل وسعت للحط من قدره رقم ان يده و لسانه وروحه كانت دوما ترفع من قدره!   تنكرت له العشيرة لأن لونه فاحم وسحنته افريقية رغم ان دمه وجيناته بلا ادني لبس نصف عربية و رغم ان لسانه و خياله ( ثقافته ) عربيتان بالكامل، وبقدر يفوق الكثير من مجايليه و اللاحقين له! لكن الضمير العربي ابي ان يقر له بانتمائه الاصيل وتنكر له ونفاه واحتقره!   منذ ذلك العهد والي اليوم بدأ احتقار الاعراب للون الأسود! اذ لا شك ان كثيرون مثله نصف عرب قبلوا وادمجوا في ثقافة الصحراء العربية فقط لأن نصفهم الآخر فارسي او روماني او بصراحة ليس افريقي و زنجي! و لأن لون بشرتهم ابيض! فحتي العرب السود الذين لا شك في انتسابهم للعروبة تم وصمهم بختم بداني الاستعباد، فالشعراء العرب وصفوا ب( غربان العرب ) و وضعوا في رف منسي علي الذاكرة العربية، وشخصيات امثال زيد الخيل الطائي يتم تهميشها عمدا ؛   منذ ذلك العهد استقرت في العقلية العربية فرضية...