التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المجتمع...والقانون

لدي قناعة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها بأن المجتمع -أي مجتمع- والدولة-كذلك أي دولة- ان هي ارادت التقدم والنهوض فان عليها اولا تحديث قوانين المجتمع، واعني بقوانين المجتمع القوانين وثيقة الصلة بالحياة الاجتماعية (العادية) للفرد والاسرة والعائلة...القوانين ذات الحميمية بحياة الانسان اي قوانين الاسرة/الاحوال الشخصية.
 وأي مجتمع يسن قوانين حديثة لحكم حياة الناس التجارية والاقتصادية والمالية والسياسية والادارية والعقابية..الخ، ويحتفظ بالمقابل بقوانين بدائية قديمة وبالية لتحكم الحياة الاجتماعية والاسرية (الزواج والطلاق والميراث...الخ) فانه يكون كشخص يرتدي لباس متمدن وحديث في الاعلي ويضع قبعة علي رأسه بينما يرتدي سروال قديم اوبالاحري يكون عاري في اسفله،
 التراجع الذي حدث لدينا طيلة لعقود خلت كان بسبب القونين الاجتماعية التي ورثناها عن المستعمروظللنا محافظين عليها بمثابرة عجيبة..فالانجليز (ومعروف عنهم مصلحيتهم/براغماتيتهم) عندما ارادوا تأسيس نظام لحكم السودان اكتشفوا ان شعبنا سيقاوم اي محاولة لدفعه لتبني واستيعاب قوانين اجتماعية حديثة لذا لم يفكروا اطلاقا في ذلك حتي يجنبوا انفسهم صراع هم في غني عنه خصوصا وانهم مجرد مستعمرين لا شأن لهم بتحديث المجتمع وانهاضه علي عكس مايتشدقون، فكان ان وضعوا قوانين معاصرة للادارة العامة والشركات والتأمين والمرور..الخ ، بينما سادت القوانين القديمه واراء الفقهاء فيما له صلة بالحياة الاجتماعية العادية، بل وأسسوا هيئة قضائية منفصلة لذلك هي القضاء الشرعي والمحاكم الشرعية في مقابل المحاكم المدنية.
    لذا وبمجرد خروج المستعمر الانجليزي بدأ التراجع عن المسير في درب التحديث وانتهي بنا الحال الي ان تسود القوانين القديمة وتنتصر علي القوانين المعاصرة المدنية والحديثة، ويعلو القضاء الشرعي علي القضاء المدني الحديث... وتتمدد سلطة الفقهاء ذوي القفاطين والعمامات علي ما عداها وتندثر سلطة الحداثويين والمثقفين.
( تجدر هنا الاشارة الي ان القضاء الشرعي السوداني - محكمة الاستئناف الشرعي بالخرطوم كانت قد اصدرت حكما باعتبار المفكر والسياسي محمود محمد طه " مرتـــداً" في العام 1968م، ولم يعر الناس ذاك الحكم حقه ويسعوا في محاسبة المسئولين عن اصداره وتصحيح اختلالات القضاء السوداني المنقسم "مدني وشرعي" حتي ابتلع القضاء الشرعي نظيره و راح الفقيد محمود محمد طه ودفع حياته ثمنا لسيطرة القوانين البدائية في العام 1985م).
  ما نحتاجه هو حركة تحديث وتمدين قوية تدفع المجتمع الي طريق النهضة وتبتعد به عن درب المجتمعات البدائية المتخلفة.. حركة تمدين شجاعة لا تخشي سلطة اعلماء من الببغاوات حفظة النصوص وحراس السلطة والنفوذ التقليدي الذي يكرس لدولتهم ويرهن المجتمع لقيود التخلف والرجعية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شرح قانون الوجوه الغريبة !!

  المقصود بقانون الوجوه الغريبة هو اوامر الطوارئ التي صدرت في بعض الولايات بعد اندلاع حرب ١٥ ابريل/الكرامة و خصوصاً بولايتي الجزيرة و نهر النيل.. و هي اما اوامر صدرت من الوالي شفاهة و علي رؤوس الاشهاد او مكتوبة و مفادها ملاحقة ما يعرف ب "المندسين" و الطابور الخامس و من يشتبه في انتماءهم او تخابرهم مع مليشيا الدعم السريع، حيث راج ان المليشيا تدفع بعناصر من استخباراتها و قناصيها الي المناطق التي تنوي احتلالها لتقوم تلك العناصر بالعمل من الداخل بما يسهل مهمة الاحتلال .. و تستهدف الملاحقات الباعة الجائلين و اصحاب المهن الهامشية، و أي شخص تشك فيه السلطات او المواطنين؛ و في اجواء من الارتياب بالغرباء غذتها دعاية الحرب تم الطلب من المواطنين التعاون بالتبليغ و حتي بالقبض و المطاردة علي من يرتابون فيه. قانون او تعاليمات (الوجوه الغريبة) اسفرت عن ممارسات متحيزة "ضد غرباء" تحديداً ينحدرون من اقاليم كردفان و دارفور في ولايات عدة (الجزيرة، و نهر النيل، و كسلا، و الشمالية)؛ فالوجوه الغريبة هي اوامر تأخذ الناس بالسحنة و الملامح؛ و هي ممارسات بالتالي اسوأ مما كانت تمارسه "مح...

تفكيك خطاب الحرب و (فلسفة البلابسة)

   الخطاب و الموقف السياسي المساند للحرب و الحسم العسكري و رفض التفاوض و رفض أي حديث عن تسوية سياسية سلمية يعتمد علي استقطاب و تحشيد العوام ممن لا خبرة و لا معرفة لهم بطبيعة الحرب ولا السياسة!    تحشيد العوام هذا خلق تيار جارف اخذ في طريقه حتي بعض "الانتلجنسيا" ممن لا قدرة لهم علي مواجهة العوام او ممن يظنون ان كل هذا الحشد لا يمكن الا ان يكون علي حق، فيحتفظ برأيه لنفسه او حتي يتخلي عنه و ينخرط مع التيار ..!!   في المقام الاول ان لخطاب العنف و التحريض و "الانتقام" جاذبيته؛ و ان للقوة و استعراضها سطوة، مثلما ان لصورة الضحية فعلها؛ اما اذا دمج خطاب الضحايا مع خطاب القدرة علي الانتقام فاننا نحصل علي سيناريو تقليدي للافلام "البوليودية" و كثيرون هنا تفتق وعيهم و انفتح ادراكهم علي افلام الهند! فما يحدث و ما يدعو اليه خطاب الحرب بالنسبة لهؤلاء مفهوم و مستوعب و في مدي تصورهم لذا يرونه ليس واقعياً فحسب بل و بطولي و مغري يستحق ان ينخرطوا فيه بكلياتهم. سؤال الطلقة الأولي: قبل ان يعرف الناس الحقيقة بشأن ما قاد الي هذه الحرب التي انتشرت في مدن السودان و ولاياته ان...

عقدة عنترة!

  عنترة بن شداد شاعر بني عبس و فارسها، بل شاعر وفارس العرب، عاش تجربة حياة مريرة ولم يتم انصافه في حياته ولم ينصفه التاريخ، هي تجربة تنكر مجتمع وجماعة، تنكرت له العشيرة والقبائل وسعت للحط من قدره رقم ان يده و لسانه وروحه كانت دوما ترفع من قدره!   تنكرت له العشيرة لأن لونه فاحم وسحنته افريقية رغم ان دمه وجيناته بلا ادني لبس نصف عربية و رغم ان لسانه و خياله ( ثقافته ) عربيتان بالكامل، وبقدر يفوق الكثير من مجايليه و اللاحقين له! لكن الضمير العربي ابي ان يقر له بانتمائه الاصيل وتنكر له ونفاه واحتقره!   منذ ذلك العهد والي اليوم بدأ احتقار الاعراب للون الأسود! اذ لا شك ان كثيرون مثله نصف عرب قبلوا وادمجوا في ثقافة الصحراء العربية فقط لأن نصفهم الآخر فارسي او روماني او بصراحة ليس افريقي و زنجي! و لأن لون بشرتهم ابيض! فحتي العرب السود الذين لا شك في انتسابهم للعروبة تم وصمهم بختم بداني الاستعباد، فالشعراء العرب وصفوا ب( غربان العرب ) و وضعوا في رف منسي علي الذاكرة العربية، وشخصيات امثال زيد الخيل الطائي يتم تهميشها عمدا ؛   منذ ذلك العهد استقرت في العقلية العربية فرضية...